فلسطين

03  مايو  2020

تقديم

أثرت عديد من العوامل الداخلية والخارجية على ممارسة الفلسطينيين تحت الاحتلال لحقهم في حرية الرأي والتعبير، من تلك العوامل ما هو قانوني، وما هو سياسي أو اقتصادي.فقد أثر تدهور العلاقات بين سلطة الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية، والصراع بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وسلطة حماس في قطاع غزة، والضغوط المتداخلة والمتشعبة بين ما هو داخلي وما هو إقليمي، أو دولي على بنية المؤسسات الإعلامية، وقدرة المواطنين على ممارسة حقهم في المجال العام.

قمعت كل من السلطتين في الضفة وغزة المواطن الفلسطيني إذا ارتفع صوته بالشكوى أو الاحتجاج من سوء الأوضاع الاقتصادية، فقد اختلفت السلطتان في الضفة والقطاع على مواجهة الاحتلال الاسرائيلي واتفقتا على قمع حرية التعبير في فلسطين.

ومن العوامل الخارجية التي أثرت على حرية التعبير في فلسطين خلال عام 2019، قوانين أقرتها سلطة الاحتلال الإسرائيلي عام 2018، حرمت بمقتضاها السلطة الفلسطينية من جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية، يساوي قدر الأموال التي تدفعها السلطة الفلسطينية لأسر الضحايا والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، وقبلها بأيام حرمت السلطة الفلسطينية أيضا بمقتضى قانون “تايلور فورس” من المساعدات التي تقدمها لها الولايات المتحدة الأمريكية.ويبدو أثر الازمة الاقتصادية في فلسطين واضحا في امتناع صحيفة القدس الفلسطينية المحلية عن الصدور لأسباب مالية للمرة الاولى منذ 68 عاماً.

أولا: التطور التشريعي والقانوني

لم يواجه الحق في حرية الرأي والتعبير قوانين جديدة تحد من هذا الحق وذلك لتوقف المجلس التشريعي عن العمل بعدما قضت المحكمة الدستورية (أعلى هيئة قضائية فلسطينية) بحل المجلس المنتخب منذ عام 2006، والذي تشكل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) غالبية أعضائه.ولكن ظل العمل ساريا بعدد من القوانين الاسرائيلية والفلسطينية التي تهدر الحق في حرية الفكر والتعبير، ومن بين تلك القوانين قرار بقانون رقم (10) لسنة 2018، بشأن الجرائم الإلكترونية.

 

ثانيا: الانتهاكات التي نالت من حرية التعبير

المنع من العمل 

حاولت سلطة الاحتلال والسلطة الفلسطينية في رام الله وسلطة حماس في غزة، منع المواطنين والصحفيين من التعبير عن الرأي في العديد من الوقائع الموثقة، منها على سبيل المثال وليس الحصر، قيام سلطات الاحتلال الاسرائيلي بمنع النائبتين في الكونجرس رشيدة طليب وإلهان عمر من زيارة فلسطين، بشكل رسمي  يوم 15 أغسطس، وذلك على خلفية دعم النائبتين لحركة “BDS” التي تدعو إلى وقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بمقاطعة الشركات والسلع الإسرائيلية.

وفي واقعة أخرى اقتحمت القوات الإسرائيلية صباح يوم 21 مارس، المركز الثقافي الفرنسي في القدس الشرقية المحتلة وألغت معرضا بمناسبة عيد الأم تقيمه جمعية “الفتيات المقدسيات”، بزعم أن الجمعية تتلقى تمويلا من السلطة الفلسطينية، كما منعت قوات الاحتلال الصحفيين من الدخول إلى منطقة وادي الحمص بقرية صور باهر، يوم 22 يوليو، وأعلنتها منطقة عسكرية مغلقة.

كما احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلية، مراسلة قناة “الكوفية” نوال حجازي، ومراسلة هيئة الإذاعة الفلسطينية روز الزرو لساعتين، يوم 22 يوليو، في منطقة سهلية قريبة من وادي الحمص في القدس، لمنعهما من الوصول إلى المنطقة وتصوير عملية هدم منازل.

وفيما يخص السلطة في رام الله فقد احتجزت الصحفي معتصم سقف الحيط يوم 15 يناير، والصحفي محمد قاروط ادكيدك، يوم 16 يناير لمنعهما من تغطية المسيرات الرافضة لقانون الضمان الاجتماعي، بينما قرر النائب العام لسلطة حماس في قطاع غزة يوم 27 مايو، منع توزيع صحيفة الحياة الجديدة في القطاع بدعوى نشر مواد تؤدي إلى إثارة الفتنة والتحريض على الاعتداء على الممتلكات العامة.

كما اعتدت قوات أمن حماس على الصحفي سامي عيسى، مدير تحرير بوابة الهدف، يوم 14 مارس، وصادرت تليفونه المحمول لمنعه من تغطية فعاليات حراك “يسقط الغلاء”.

الحبس 

الحبس أوالاعتقال الإداري من الوسائل التي استخدمتها السلطات في فلسطين لقمع المعارضين والناقدين، وعلى سبيل المثال،في الضفة الغربية داهمت قوة كبيرة من عناصر المخابرات الفلسطينية فجر يوم 3 مارس، منزل الصحفي حازم ناصر في مدينة طولكرم المحتلة، واعتقلته، كما احتجزت أجهزة الأمن في الضفة فايز السويطي، رئيس جمعية “يدا بيد نحو وطن خال من الفساد”، بعد توجهه صباح 9 يونيو، لمكتب النائب العام بناء على استدعاء شفوي، على خلفية نشر اتهامات لرئيس هيئة الشؤون المدنية، بالفساد واستغلال المنصب، على حسابه في موقع “فيسبوك”.

أما في قطاع غزة فقد اعتقلت الأجهزة الأمنية عشرات الصحفيين من مناطق متفرقة في القطاع، منتصف شهر مارس، بعد استدعاء معظمهم للتحقيق، على خلفية تغطيتهم الحراك الشعبي “بدنا نعيش”.

المحاكمة

استخدمت السلطات الإسرائيلية القضاء في محاولة قمع الأصوات التي تطالب بحقوق الشعب الفلسطيني، وعلى سبيل المثال فقد أيّدت محكمة إسرائيلية في القدس المحتلة، يوم 16 أبريل أمر الحكومة الإسرائيلية بترحيل مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في فلسطين، عمر شاكر، بدعوى أنه من الأشخاص الذين يدافعون عن مقاطعة المستوطنات الإسرائيلية.

كما مثلت أستاذة الإعلام في جامعة بيرزيت الروائية والشاعرة وداد البرغوثي، أمام محكمة “عوفر” العسكرية الإسرائيلية، يوم الإثنين 9 سبتمبر 2019، وتأجل البتّ في القضية التي تضمنت لائحة الاتهام فيها التحريض ضد الاحتلال من خلال نشرها لقصائد على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

ومن ناحية أخرى أصدرت محكمة عوفر العسكرية الإسرائيلية، يوم 3 يوليو، حكماً بالسجن 10 أشهر على الإعلامية والكاتبة إسراء لافي، من سكان بلدة صوريف، شمال الخليل، على خلفية نشاطها الإعلامي والجماهيري لمناصرة القضية الفلسطينية.

الحجب

وقع رئيس وزراء اﻻحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 6 مارس على مرسوم، يصنف قناة “الأقصى الفضائية” التابعة لحركة “حماس”  باعتبارها “منظمة إرهابية”، وذلك بعد ادعاء جهاز الأمن الإسرائيلي”الشاباك” أنّ حركة حماس تستغل القناة بهدف تجنيد نشطاء في صفوفها من خلال استخدام رموز سرية خلال البث التلفزيوني.

كما لعبت الأزمة المالية التي يعانيها الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع دورا محوريا في دفع إدارة مؤسسة الرسالة للإعلام (المحسوبة على حركة حماس) إلى إعلان وقف النسخة المطبوعة لصحيفة الرسالة، بسبب الازمة المالية التي تواجهها المؤسسة.

الترهيب

جاء الصراع السياسي بين السلطة رام الله وغزة على حساب حرية الصحافة ودفع الصراع بينهما الصحفيين إلى فرض مزيد من الرقابة الذاتية على أقلامهم، ففي سياق الانقسام الحاد بين السلطة في رام الله وسلطة حماس في غزة، اقتحم مجهولون يوم 4 يناير، هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية، في حي تل الهوا غرب مدينة غزة، واعتدوا على العاملين فيها وقاموا بتحطيم معدات وأدوات أحد الاستوديوهات؛ ولم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن الاعتداء على المقر، ولكن مسؤولين فلسطينيين حملوا حركة حماس المسؤولية.

الرقابة

استعملت سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية الرقابة القبلية لمحاصرة حرية الرأي والتعبير في فلسطين، وذلك من خلال اقتحام المطابع ومصادرة الكتب قبل توزيعها. وعلى سبيل المثال اقتحمت قوات الاحتلال الاسرائيلي مطبعة بابل الفنية يوم 10 يوليو، وصادرت معداتها قبل الانسحاب من مدينة حلحول فجرًا بعد مداهمتها بعدد من آلياتها العسكرية من مدخل المدينة الشمالي.

كما اقتحم جهاز المخابرات التابع للسلطة في رام الله مطبعة الحسن في بيتونيا غرب رام الله واعتقال صاحب المطبعة، يوم 9 أبريل، وصادر نسخاً من كتاب “درب الصادقين” للمعتقل في السجون الاسرائيلية، محمد صبحي أبو طبيخ، بدعوى عدم عدم الحصول على تصريح من وزارة الثقافة.

الاعتداءات 

لجأت القوات الأمنية التابعة لحركة حماس إلى العنف لتفريق تظاهرات لمئات الفلسطينيين في عدة مواقع في القطاع بدأت يوم الخميس 14 مارس واستمرت ثلاثة أيام احتجاجا على غلاء المعيشة، وشنت قوات أمن حماس في جباليا شمال قطاع غزة، حملة اعتقالات ومداهمة منازل عشرات المواطنين من بينهم نشطاء وصحفيون وعاملون في مجال حقوق الإنسان.

وعلى الجانب الآخر فضت قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح 11 أغسطس، بالعنف اعتصام أقامه آلاف المصلين في المسجد الأقصى لمنع اقتحام المستوطنين للمسجد، وأطلقت قوات الاحتلال الغاز المسيل للدموع، عقب أداء صلاة عيد الأضحى مما أدى إلى وقوع إصابات بين المصلين.

وهاجمت قوات الاحتلال اﻻسرائيلي بالرصاص الحي، والمعدني المغلف بالمطاط يوم 3 مايو، عدد من المسيرات السلمية منها مسيرة مناهضة للاستيطان في كفر قدوم جنوب قلقيلية شمال الضفة الغربية، كما أصيب صحفي فلسطيني خلال مهاجمة مسيرة في قرية بيت سيرا غرب مدينة رام الله، ومنها أيضا المسيرات السلمية الاسبوعية لأهالي قرية بلعين، برام الله، ضد جدار الفصل العنصري الجديد في منطقة أبو ليمون، جنوب القرية.

كما واجهت سلطات الاحتلال يوم 15 مايو، بالرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع مسيرات العودة التي نظمها الفلسطينيون في قطاع غزة بمناسبة الذكرى الحادية والسبعين لإجبار مئات الآلاف من الفلسطينيين على الرحيل عن مدنهم وقراهم عام 1948، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا.

وفضت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالعنف أيضا يوم 26 يوليو اعتصاما على جانبي جدار الفصل العنصري في حي وادي الحمص بقرية صور باهر بالقدس المحتلة، وأصيب العشرات من الفلسطينيين بحالات اختناق جراء إلقاء قوات الاحتلال قنابل الغاز بكثافة مستهدفين خيمتي الاعتصام في الجهتين.

ثالثاً: القضايا الأكثر تأثيرا في حرية التعبير

شهدت الساحة الفلسطينية عدد من القضايا الهامة ذات الأثر البالغ على المواطنين وحقهم في ممارسة حرية الرأي والتعبير، من بين هذه القضايا قضية ترحيل المصور الصحفي الفلسطيني مصطفى إياد الخاروف، حيث طالب مقرران خاصان لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة السلطات الإسرائيلية بوقف محاولاتها لترحيل مصطفى، وتنظيم وضع إقامته في القدس. ويشار إلى أن مصطفى من مواليد الجزائر لأب فلسطيني وأم جزائرية يقيم مع عائلته في القدس، واعتقلته سلطات الاحتلال فى يناير 2019، بزعم إقامته بشكل غير قانوني في إسرائيل.

القضية الثانية هي قضية منع النائبتين في الكونجرس الأمريكي، رشيدة طليب وإلهان عمر من زيارة فلسطين، على خلفية دعم النائبتين لحركة “BDS” التي تدعو إلى وقف الاستيطان الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية

 

رابعا: الاتهامات الأكثر شيوعاً ضد حرية التعبير

كانت أكثر الاتهامات التي واجهت نشطاء الرأي في فلسطين هي التحريض من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تهمة الإساءة إلى “مقامات عليا” و “إثارة نعرات طائفية”، تهمة “الإساءة إلى آخرين في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي”، تهمة “النيل من الوحدة الثورية”، وتهمة “إساءة استخدام التكنولوجيا”.

 

خامسا: الضحايا 

ضمت قائمة ضحايا قمع حرية الرأي والتعبير في فلسطين على سبيل المثال مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في فلسطين، عمر شاكر، أستاذة الإعلام في جامعة بيرزيت الروائية والشاعرة وداد البرغوثي، الإعلامية والكاتبة إسراء لافي، إلى جانب مئات الصحفيين، والمعتقلين في السجون الاسرائيلية نذكر منهم على سبيل المثال أسامة الكحلوت، إيهاب فسفوس، أحمد سهمود، ماجد قديح، إيهاب فسفوس، جمعة دلول، مصطفى الدحدوح، أحمد الشنباري، الصحفي حازم ناصر، و الصحفي مصعب شاور، والصحفي عامر أبو عرفة وآخرين.