نعتذر : لن نحترم القانون اليوم “عن ظاهرة التعذرات الأمنية وتغييب القانون في مصر “

عبدالله طنطاوي

مقدمة

لم يعد الأمر قاصرا على المحامين أو أسر المتهمين والمحبوسين ، بل يكفي ان تكون مطلعا أو مهتما بالشأن العام فى مصر ، ليصك أذنك ، وتصدم عيناك عند القراءة تعبير جديد ، بات معتادا ومتكررا خلال الفترة الماضية  وهو : تعذر نقل المتهمين” أو تعذرات أمنية ، وهي تعني أن تمتنع وزارة الداخلية متمثلة فى مديريات الأمن المختلفة وإدارات الترحيلات بقطاع مصلحة السجون عن نقل متهمين من أماكن احتجازهم المختلفة إلى مكان انعقاد جلساتهم سواء إلى النيابات أو إلى المحاكم باختلاف درجاتها أو المستشفيات لتلقي العلاج ، وذلك  بزعم وجود مانع أمني يحول بينها وبين نقل هؤلاء المتهمين إلى مقار النيابة أو المحاكم أو المستشفيات.

و ويستوي في هذا أن يكون  هؤلاء المتهمين المغيبين في السجون المصرية بقضايا جنائية أو بقضايا ذات طابع سياسي.

وذلك على الرغم من أن القاعدة العامة هي أن وزارة الداخلية هي الجهة الوحيدة المنوط بها تنفيذ قرارات المحاكم والنيابات باختلاف درجاتها ومسمياتها ، وهي الجهة الوحيدة المنوط بها أيضا تنفيذ الأحكام الصادرة عنها سواء كانت أحكاما نهائية أو أحكام وقرارت  بالحبس الاحتياطي وتجديده وما يتعلق بذلك من إجراءات مختلفة.

 

لماذا هذه الورقة القانونية

– برغم عدم قانونية التعذرات الأمنية وما فى ذلك من إهدار لحقوق المتهم و الدفاع ، بل ولسيادة القانون والقضاء أنفسهم ، إلا أن وزارة الداخلية وبعد أن كانت تتعامل مع هذا القرار على استحياء  خلال العامين المنصرمين ، خاصة فى المناسبات المختلفة كالاحتفالات العامة والرسمية بزعم ضرورة تكثيف التعزيزات الأمنية وما شابه ذلك ، إلا انه وفي غياب المسائلة والحساب ، باتت وزارة الداخلية تتعامل مع قرار التعذرات الأمنية وكأنه أصبح  أمر واقعي له مسوغ قانوني وذلك على خلاف الحقيقة.

 

– مؤخرا وتحديدا في منتصف شهر يونيو من العام الحالي 2019 توصل المحامين المترددين على نيابة أمن الدولة العليا لمتابعة قضاياهم إلى معلومة تفيد حدوث تعذرات أمنية لنقل المتهمين من أماكن احتجازهم إلى نيابة أمن الدولة فى الفترة من 21 يونيو إلى 19 يوليو ، وذلك بزعم الاستعدادات الأمنية التي أعدتها مديرية أمن القاهرة  لتأمين فعاليات بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة فى مصر خلال تلك الفترة ، وما يتطلبه ذلك من تعزيز وتكثيف التعزيزات الامنية على كافة المنشآت الهامة والحيوية .

 

– ثم طالعت الشبكة العربية و رواد مواقع التواصل الاجتماعي فى ذات الوقت خطابا صادرا من مكتب مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن القاهرة ،موجه الى السيد المستشار  رئيس محكمة النقض ،ورئيس مجلس القضاء الأعلى  يتضمن اخباره بتعذر عرض المتهمين فى جميع القضايا خلال تلك الفترة أيضا لذات السبب منهيا خطابه بضرورة التفضل بالإحاطة ” ولم يتثني التأكد من صحة الخطاب” ، وهو ما يعد تطورا خطيرا لشرعنة تلك التعذرات رغم مخالفتها  لصحيح القانون والدستور .

 

– لذلك رأينا ان هناك ضرورة هامة للحديث عن ماهية تلك التعذرات الأمنية ومدى اخلالها بالقانون والدستور وكذلك انتهاكها لحق المتهم وشروط العدالة، فضلا عن حق الدفاع ، خاصة وأنها توشك ان تصبح ظاهرة  ، ووجه من عملة ، وجهها الاخر خرق القانون .

 

أولا : اشكالية التعذرات الأمنية والقانون

 

– بالبحث وبمطالعة القوانين المتعلقة بهذا الشأن لم نجد تعريفا أو تنظيما ﻷليات تطبيق التعذرات القانونية بنص صريح فى القانون المصرى، ولكن هناك نصوصا قانونية خاصة بتنظيم أوامر الحبس ومددها ، وحق المتهم ومحاميه ،وآليات تطبيقها فى قانون الإجراءات الجنائية المصري والذى نص فى المادة 136 منه على أنه

 

( – يجب على قاضي التحقيق قبل أن يصدر أمرا بالحبس أن يسمع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم ، ويجب أن يشتمل امر الحبس على بيان الجريمة المسندة الى المتهم والعقوبة المقررة لها ، والأسباب التى بني عليها الأمر ، ويسرى حكم هذه المادة على الأوامر التى تصدر بمد الحبس الاحتياطي وفقا لأحكام هذا القانون )

 

– كما نصت المادة 142 من ذات القانون على أنه ( ينتهي الحبس الاحتياطي بمضي خمسة عشر يوما على حبس المتهم ، ومع ذلك يجوز لقاضى التحقيق قبل انقضاء هذه المدة وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم أن يصدر أمرا بمد الحبس مدة أو ممدا مماثلة بحيث لا تزيد مدة الحبس فى مجموعها على خمسة وأربعون يوما ).إذا بنص القانون يجب عرض كل متهم محبوس احتياطيا على ذمة إحدى القضايا على النيابة العامة مصدرة الأمر بحبسه أو قاضي التحقيق قبل انتهاء مدة حبسه للنظر فى ذلك الأمر، وذلك بعد سماع أقوال النيابة العامة وسماع أقوال المتهم فى حضرة محاميه ، الذي يجب أن يمكن من تقديم كافة دفوعه ودفاعه كما نص القانون .

 

– اذا فاشكالية التعذرات الأمنية ليست فقط في الإخلال الجسيم بمقتضيات حقوق المتهم وحقوق الدفاع فقط ، وإنما تقع الإشكالية أيضا في صمت القضاء ” النيابة العامة والقضاة” على هذا العبث بالقانون والتغاضي عن ممارسات تخرق القانون نفسه ، حيث يتم حرمان المتهم من المثول القانوني أمام قاضيه الطبيعي في مواعيده القانونية التى قد تكون فرصة لإخلاء سبيله حيث تحول التعذرات الأمنية بينه وبين هذا الحق.

 

ثانيا : أمثلة لحالات وقضايا تضرر أصحابها ومحاميها من قرار التعذرات الامنية

 

بمناسبة اقامة بطولة كأس الامم الافريقية فى مصر فى الفترة من 21/6/2019 حتى 19/7/2019 أصبحت تلك البطولة مثالا صارخا وكاشفا للخلل الكبير فى منظومة العدالة فى مصر فى هذه الفترة  كما سنوضح بالامثلة :

– بتاريخ 20 يونيو 2019 بمعهد أمناء الشرطة بطرة وهو الميعاد المحدد لنظر القضية المعروفة اعلاميا بـ “اهانة القضاء” وهي القضية المتهم فيها المحاميان منتصر الزيات ، محمد منيب والصحفي عبد الحليم قنديل وآخرين ، توجه المحامون لحضور الجلسة فى ميعادها القانوني ليفاجئوا من على باب معهد الأمناء باخبارهم بعدم حضور المتهمين من محبسهم لتعذر نقلهم أمنيا فضلا عن عدم حضور الدائرة التي من المفترض أن تنظر جلستهم!

 

– وبتاريخ 22 يونيو 2019 انتقل محاموا الشبكة العربية الى نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس لحضور جلسة نظر أمر حبس المصورين الصحفيين محمد مصباح جبريل ، وعبدالرحمن عوض والمتهمين فى القضية رقم 1365 لسنة 2018 حصر نيابة أمن الدولة العليا ، ولحضور جلسات نظر أمر حبس الناشط خالد محمود ، والصيدلي اليساري جمال عبدالفتاح فى القضية رقم 1739 لسنة 2018 حصر نيابة أمن الدولة العليا  ليفاجئ محاميهم بأن الجلسة لن تنعقد بسبب عدم حضور المتهمين من محبسهم بسبب التعذرات الأمنية  وأنه تم تأجيل الجلسة إلى 1 يوليو 2019 وذلك دون مراعاة لسقوط أوامر حبسهم طبقا لمواعيدهم القانونية !

 

وحينما توجه المحامون الى مقر انعقاد الجلسة يوم 1 يوليو تبين تعذر حضور المتهمين من محبسهم للمرة الثانية وتأجيلها إلى 20 يوليو 2019 .

 

– واستمرارا لمسلسل التعذرات الأمنية فإن ما حدث بتاريخ 22 يونيو تكرر بتاريخ 25 يونيو 2019 حيث جددت نيابة أمن الدولة حبس إسلام فتحي فى القضية رقم 470 لسنة 2019 حصر نيابة أمن الدولة العليا لمدة 15 يوم وجددت حبس الشاعر حماده صديق ، وثائر عزت ، والروائي إبراهيم محمد إبراهيم المتهمين فى القضية رقم 1739 لسنة 2018 حصر نيابة أمن الدولة العليا  بدون عرضهم على النيابة وبدون معرفة ما إذا كانت النيابة قد انتقلت حيث مقر احتجازهم وقامت بالتجديد لهم بدون محاميهم أم قامت بالتجديد لهم على الأوراق دون أن تنتقل وبدون ان يمثلوا أمامها وبدون محاميهم ايضا وذلك بحجة التعذرات الامنية الحالية .

 

– كما شهد معهد أمناء الشرطة بطرة بتاريخ 6 يوليو 2019 واقعة تمثل فى حد ذاتها إهانة للمحامين الذين يمثلون حق الدفاع وأحد الأضلع الثلاثة لمثلث العدالة فى مصر ( القضاء – النيابة – المحامون ) حيث حضر المحامون ومن بينهم محامي الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جلسة نظر أمر التدابير الاحترازية  للمتهمين فى القضايا أرقام 441 لسنة 2018 ، 718 لسنة 2018 حصر نيابة أمن الدولة العليا أمام الدائرة 14 جنايات ارهاب الجيزة ،حيث تواجد المتهمين خارج اسوار معهد الأمناء فى انتظار بدء الجلسة والسماح لهم بالدخول لتنظر المحكمة في أمر تدابيرهم سواء بتجديدها أو بإلغائها وبالتالي ممارسة حيواتهم بشكل طبيعي دون التقيد بالمرور على أقسام الشرطة يوميا او اسبوعيا او بعض الايام فى الاسبوع ،وذلك كبديل للحبس الاحتياطي كما نصت المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية في شأن التدابير الاحترازية ، وحيث تواجد المحامون داخل قاعة المحاكمة منذ الصباح الباكر وتواجد المتهمين خارج أسوار المعهد ، وتواجد هيئة المحكمة داخل المعهد حتى  تفاجأ المحامون  بمغادرة قضاة الدائرة دون انعقاد الجلسة ودون إخبار المحامين بقرارها فى تعدى واهانة صارخة للمحامين الذين توجهوا بعدها لنيابة أمن الدولة  لمعرفة قرار المحكمة ،التي قررت التأجيل لجلسة 24 يوليو 2019 .

 

خاتمة

– تلك الأمثلة التي تم ذكرها في هذه الورقة كانت على سبيل المثال لا الحصر وهي من واقع عمل محامين الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان يوميا فى النيابات والمحاكم،حيث الامثلة على تعذرات نقل المتهمين للمحاكم والنيابات باختلاف درجاتها كثيرة ومنهم متهمين فى قضايا جنائية ومنهم متهمين بقضايا جنائية ذات طابع سياسي،والمحامون باختلاف توجهاتهم  شهود عيان على ما يحدث من خلل لمنظومة العدالة فى مصر فى ظل الحكم السياسي الحالي وهو ما تعتبره الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إهدارا لكافة القوانين والمواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها مصر ، والتي يجب عليها كحد أدنى احترامها والعمل على عدم التلاعب والتحايل عليها أمنيا .

التوصيات

– توصي الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بضرورة احترام الدستور والقوانين المنظمة لإجراءات المحاكمات والحد من إطلاق يد وزارة الداخلية للتحكم فى تلك الإجراءات بشكل غير قانوني يضير العدالة حاليا ومستقبلا .

– كما تطالب الشبكة العربية السلطات المصرية بالإفراج غير المشروط عن كل من سقطت أوامر حبسه لتخطيه المدة القانونية المنصوص عليها فى قانون الإجراءات الجنائية بسبب التعذرات الأمنية .

– وكذلك تطلب الشبكة العربية من النائب العام العمل على مسائلة وحساب المسئولين المتعللين بالتعذرات الامنية لاهدار القانون والدستور، حيث لا ينبغي أن تكون ظروف أو تراخي أو كسل هؤلاء المسئولين سببا في وقف العمل بالقانون والاخلال به.

ورقة الموقف pdf

ورقة الموقف word