أولاً: التقديم

تشهد العديد من المدن المغربية حالة نشاط ملحوظ في الحراك الجماهيري على وقع صعوبات اقتصادية تواجه غالبية السكان، وحاول الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي التعبير عن تلك الصعوبات، بينما وقف على الجانب الآخر جهاز إداري يعتريه العديد من أشكال البذخ والفساد، وحكومة ترفض دعوات الإصلاح وتلقي باللائمة على المواطنين وحراكهم الاجتماعي، وتوجه إليهم اتهامات بخدمة أجندة انفصالية والتآمر للمسّ بأمن الدولة.

وحاولت السلطات المغربية قمع المحتجين بعدة طرق من بينها العنف والاعتداء البدني، كما حاولت كتم الأصوات المعبرة عن الاحتجاج من خلال تقييد الصحافة وحجب المواقع غير المرخصة، والمحاكمات غير العادلة للعديد من الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

فلا تزال تداعيات حراك الريف الذي انطلق في شمال المغرب تؤثر في حالة حرية الرأي والتعبير في المغرب، بعد تثبيت الأحكام الباطلة ضد المتظاهرين والنشطاء، ولا تزال قضية الأساتذة المتعاقدين دون حل استراتيجي يرضي الحد الادنى من طموحهم.

ثانياً: التطور التشريعي والقانوني

في محاولة لفرض الأمر الواقع على العمال والتنظيمات النقابية في المغرب، عرضت الحكومة على البرلمان، قانونًا جديدًا يقيد حق الإضراب أطلقت عليه “قانون تنظيم الإضراب  97-15″. يتضمن مشروع القانون بنودًا تحرم العمال من الأجر عن مدة إضرابهم، وتحظر عليهم احتلال أماكن العمل أو مداخلها أو الطرق المؤدية إليها، وبعد إنهاء الإضراب أو إلغائه تمنع بنود القانون اتخاذ قرار إضراب جديد دفاعا عن المطالب نفسها، إلا بعد مرور سنة على الأقل. وفي حالة ممارسة الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون، يمكن لصاحب العمل أن يطالب بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمؤسسة.

وقد أثار مشروع القانون اعتراض النقابات المغربية حول بعض مواده، وطالب اتحاد النقابات العالمي (FSM) رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، بسحب مشروع القانون من البرلمان، واحترام القانون الدولي.

ونتيجة للضغوط المحلية والدولية تراجعت الحكومة، و”طلبت من اللجنة المختصة في البرلمان تأجيل برمجة مدارسة هذا المشروع” لحين بناء توافق حوله.

ومن ناحية أخرى فعّلت وزارة الثقافة والاتصال المغربية هذا العام العمل بقانون الصحافة والنشر 13.88، والذي يفرض قيوداً صارمة على الصحافة الورقية والإلكترونية. ومن ناحية أخرى افتتحت السلطات المغربية يوم 25 يوليو، مقر المجلس الوطني للصحافة.

ثالثاً: القضايا الأكثر تأثيراً في حرية التعبير

رصدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عددًا من القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير شغلت الرأي العام في المغرب، وشغلت المهتمين بالدفاع عن حرية التعبير في العالم، ومن تلك القضايا محاكمة نشطاء حراك الريف أمام محكمة الاستئناف، والتي اتهمت فيها هيئة الدفاع رئيس المحكمة بالخروج عن حياده يوم 7 يناير الماضي، وذلك من خلال منع هيئة الدفاع من أخذ الكلمة دون مبرر قانوني ودون التداول في القرار مع بقية أعضاء الهيئة القضائية، ومقاطعة هيئة الدفاع والتدخل في مرافعاتها، وعدم تمكين المحامين من تقديم ما يرونه مناسباً لخدمة القضية.

وقاطع المحاكمة 38 من قادة الحراك، بينهم ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف، احتجاجاً على عدم تحقق شروط المحاكمة العادلة بها، ولم يحضر الجلسات سوى 4 متهمين بالإضافة إلى الصحفي حميد المهداوي.

وفي مساء 5 أبريل، أيدت محكمة الاستئناف قرار سجن ناصر الزفزافي ورفاقه لمدد تتراوح بين السجن 20 سنة، والسجن لسنة واحدة. وشهدت قضية حراك الريف تطورا خطيرا عندما تلا أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي مساء 23 أغسطس، بيانًا أعلن فيه تخلي ابنه وخمسة آخرون من معتقلي الحراك عن الجنسية المغربية.

ومن القضايا الهامة أيضا خلال عام 2019، قضية فض اعتصام الأساتذة المتعاقدين، التي استمرت لنحو شهرين، حيث اعتصم ما يزيد عن 1300 أستاذ متعاقد أمام مقر مديرية التربية الوطنية والتكوين المهني بمراكش، للمطالبة بإلحاقهم بقطاع التعليم كموظفين عموميين بعقود دائمة، ولكن قوات الأمن تدخلت بمختلف تشكيلاتها يوم 6 مارس، لفض الاعتصام بالقوة مما خلف إصابات بليغة بين المعتصمين، وكرر الأساتذة الاعتصام مرة أخرى في شارع محمد الخامس أمام مبنى البرلمان بالعاصمة مساء 24 أبريل، وتدخلت قوات الأمن لفض الاعتصام بالقوة أيضا مما أسفر عن إصابة نحو 59 شخصاً.

أما القضية الثالثة التي كانت أكثر تأثيرا في المغرب فهي قضية الصحفية هاجر الريسوني، حيث أثار حادث القبض عليها بتهمة الزنا والإجهاض غير القانوني، بعد زيارتها عيادة طبيب في حي وسط العاصمة المغربية للعلاج من نزيف داخلي، عدة أسئلة حول الحق في حماية الحياة الخاصة، وتلفيق القضايا للصحفيين، ووجدت الريسوني المساندة من قادة الرأي في داخل المغرب وخارجه.

رابعاً: الإنتهاكات التي نالت من حرية التعبير

 

المنع من العمل

 

عرقلت السلطات المغربية الصحفيين وقادة الرأي في التعبير عن أفكارهم ولكن لم يتوقف المنع عند حدود السلطات فحسب، ولكن قام بالمنع أيضا أفراد لا ينتمون للسلطة فعلى سبيل المثال منع عدد من رجال الأمن الخاص يوم 15 مارس، الكثير من الصحفيين والمصورين من تغطية المؤتمر الوطني الثاني عشر للاتحاد المغربي للشغل. ولم يتوقف المنع عند حدود الصحفيين بل امتد ليشمل عددًا من أفراد التيار المعارض لاستمرار النقابي ميلودي مخاريق، على رأس النقابة.

أما من ناحية السلطات المغربية فقد أقدمت سلطات مطار العروي بالناظور (أحد أقاليم الريف شمال المغرب) يوم 12 أبريل، على منع الناشطة في “حراك الريف” نوال بنعيسى من السفر إلى هولندا للمشاركة في ندوة دولية حول  السلام والحركات الاحتجاجية، استجابةً لدعوة من الحزب الإشتراكي الهولندي.

وفي يوم 3 مايو، منعت السلطات في مدينة الرباط، الحزب الاشتراكي الموحد من عقد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مناطق الرباط، سلا، القنيطرة، بغرفة الصناعة والتجارة والخدمات رغم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية.

ومن ناحية أخرى أعلن المؤرخ والأستاذ الجامعي، المعطي منجب، يوم 22 أبريل، عن دخوله في إضراب جزئي عن الطعام احتجاجاً على الضغوط التي تمارسها عليه وزارة التعليم في محاولة لفصله من الوظيفة العامة على خلفية نشاطه الحقوقي.

الاعتداءات

استخدمت السلطات المغربية العنف والاعتداءات البدنية لفض التظاهرات والتجمعات السلمية وهناك العديد من الأمثلة نذكر منها تدخل تشكيلات مختلفة من قوات الأمن بالعنف يوم 6 مارس، لفض اعتصام الأساتذة المتعاقدين أمام مديريات وأكاديميات التعليم بعدد من مدن المملكة، مما أسفر عن سقوط إصابات، واعتقال عدد منهم.

وفي 24 أبريل استخدمت قوات التدخل السريع خراطيم المياه والعصي لتفريق اعتصام آلاف الأساتذة المتعاقدين في شارع محمد الخامس أمام مبنى البرلمان بالعاصمة، وأسفرت عملية فض اﻻعتصام عن وفاة عبد الله حجيلي، يوم 27 مايو، بعد إصابته بكسور بالقفص الصدري والكتف، كما أصيب في عملية الفض نحو 59 شخصاً.

كما فضت قوات الأمن بالعنف يوم 14 مارس، اعتصاماُ للمكفوفين من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل، أمام مبنى ملحقة وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بالرباط.

كما فضت أيضا عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة بالبيضاء بالقوة، اعتصامًا لعمال النظافة بمطار محمد الخامس يوم 3 سبتمبر، احتجاجا على “الطرد التعسفي”

المحاكمة

استخدمت السلطات المغربية المحاكمات الجائرة وتلفيق القضايا الجنائية والاخلاقية كسيف مسلط على رقاب الصحفيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وقد وثق فريق الأمم المتحدة المعني بالاعتقال التعسفي حالة توفيق بوعشرين مدير صحيفة أخبار اليوم المغربية، وذلك حينما أصدر الفريق يوم 29 يناير، تقريراً يؤكد أن الاتهامات ضد توفيق بوعشرين لا أساس لها من الصحة، وأنها دبرت له انتقاما لعمله الصحفي وعلى خلفية الانتقادات التي ينشرها ضد الحكومة المغربية.

وكان بوعشرين قد اعتقل يوم 23 فبراير 2018، وحُكم عليه في مساء 9 نوفمبر 2018، بالسجن لمدة 12 سنة بزعم “الاغتصاب والاتجار بالبشر والتحرّش الجنسي”.

ولكن هناك غير حالة بوعشرين العديد من الحالات نذكر منها، ملاحقة الصحفية هاجر الريسوني بتهمة الزنا والإجهاض غير القانوني، حيث قضت المحكمة الابتدائية بالرباط مساء الاثنين 30 سبتمبر، بحبس الصحفية هاجر الريسوني، لمدة سنة سجناً نافذا، وغرامة مالية قدرها 500 درهم (51 دولار تقريباً)، بدعوى “الفساد وقبول الإجهاض من الغير”، وقضت المحكمة بنفس العقوبة ضد خطيبها، الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي السوداني رفعت الأمين، بتهمة “الفساد والمشاركة في الاجهاض”، بعد زيارتهما عيادة طبيب في حي وسط العاصمة المغربية يوم 31 أغسطس الماضي لعلاج هاجر من نزيف داخلي.

ثم أصدر الملك محمد السادس مساء 16 أكتوبر، عفوا ملكيا عن الصحفية هاجر الريسوني وخطيبها ومن معهم.

وفي قضية أخرى قضت محكمة مغربية في الثامن من يوليو 2019، بتغريم الصحفية والناشطة الحقوقية نزهة الخالدي، المنتسبة إلى مجموعة نشطاء “إيكيب ميديا” (تجمعٌ إعلاميينَ معنيينَ بتوثيقِ انتهاكاتِ حقوقِ الإنسان)، في العيون بالصحراء الغربية، مبلغ 400 يورو بتهمة انتحال صفة صحفي، وذلك على خلفية قيامها بتوثيق مظاهرة في مدينة العيون، يوم 4 ديسمبر 2018، كانت تطالب باستقلال الصحراء الغربية.

وفي 24 سبتمبر، مثل المدون عدنان أحمدون أمام النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بتطوان، بتهمة التحريض على التظاهر على خلفية تدوينة حول حراك جرادة، وقررت النيابة الإفراج عنه بكفالة مالية قدرها 2000 درهم، وحددت أولى جلسات المحاكمة يوم 8 أكتوبر 2019.

وفي 21 يناير، بدأت أولى جلسات محاكمة المدون سفيان النكاد، أمام محكمة الاستئناف بتطوان، بزعم “العصيان والتحريض على العصيان والاشادة بإهانة علم المملكة ورموزها والتحريض على ذلك بواسطة الوسائل السمعية والبصرية والإلكترونية”، على خلفية تعليقات نشرها على حسابه في موقع فيسبوك دعا فيها إلى الانضمام إلى مظاهرة احتجاجا على مقتل الطالبة حياة بلقاسم على يد البحرية المغربية، وهي تحاول الهجرة يوم 25 سبتمبر 2018.

الترهيب

استخدمت السلطات المغربية ترهيب أصحاب الرأي باستخدام التهديدات الأمنية كما استخدمت توجيه الاتهامات في القضايا الأخلاقية والجنائية وعلى سبيل المثال استخدمت السلطات المغربية تهديدات أمنية في ساعات متأخرة من ليلة الخميس 2 مايو، لفض اعتصام طلبة كلية الطب والصيدلة بأكادير، وذلك من خلال تهديد الطلبة المعتصمين بالاعتقال في حال استمرارهم في الاعتصام داخل فضاء الكلية.

كما حركت السلطات المغربية مجموعة من البلاغات، والاستدعاءات، لتخويف نشطاء المجتمع المدني بمدينة بركان، وذلك مباشرة بعد الوقفة التي تم تنظيمها عقب تأييد الأحكام ضد معتقلي حراك الريف، ففي 8 مايو حققت الشرطة القضائية بمدينة بركان (شمالي المغرب)، مع مصطفى لقاح، أمين النقابة الفرعية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل “كدش”، في بلاغ يعود لعام 2017، تقدم به رئيس المدينة يتهمه فيه بـ ”إهانة موظف أثناء قيامه بعمله، والتجمهر غير المرخص، والتحريض على التظاهر”.

الحجب

انتهت المهلة التي منحتها الحكومة للمواقع الإلكترونية لتقنين أوضاعها وفقا للقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر في أغسطس 2018، وشنت الحكومة المغربية منذ بداية عام 2019، حملة واسعة لترهيب القائمين على المواقع الإلكترونية لتوفيق أوضاعها أو إغلاق الموقع طواعية.

ففي 15 مارس أعلنت وزارة الثقافة والاتصال أن الوزير ورئيس النيابة العامة، ورئيس المجلس الوطني للصحافة، اتفقوا على مواصلة التنسيق بصدد مختلف القضايا المرتبطة بتطبيق القوانين المرتبطة بالصحف الورقية والإلكترونية، وفي 3 يوليو، قال وزير الثقافة والاتصال، محمد الأعرج، أنه في سياق تطبيق قانون الصحافة والنشر، تم توقيف 1000 موقع إلكتروني إراديا من طرف أصحابها، وأضاف الوزير ان السلطات المعنية ستلجأ إلى إصدار قرارات استعجالية ضد المواقع التي لا تحترم قانون الصحافة والنشر، مذكرا بأنه سيتم فرض غرامة قيمتها 20 ألف درهم عن كل يوم تأخير.

خامساً: الاتهامات الأكثر شيوعاً ضد حرية التعبير

ضمت الاتهامات التي استخدمتها السلطات المغربية لقمع حرية التعبير اتهامات مثل  انتحال صفة صحفي، التحريض على التظاهر ، العصيان والتحريض على العصيان، التحريض على إهانة علم المملكة ورموزها بواسطة الوسائل السمعية والبصرية والإلكترونية، كما ضمت الاتهامات تهماً أخلاقية بهدف تشويه سمعة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان مثل الاغتصاب والاتجار بالبشر والتحرّش الجنسي، الفساد وقبول الإجهاض من الغير، وتهمة الفساد والمشاركة في الإجهاض.

سادساً: الضحايا

تنوع ضحايا انتهاكات حرية الرأي والتعبير في المغرب بين الأفراد والمؤسسات والمشاركين في الفعاليات الاحتجاجية السلمية نذكر على سبيل المثال وفاة عبد الله حجيلي، والد أستاذة متعاقدة خلال فض اعتصام الأساتذة المتعاقدين أمام البرلمان، الصحفي حميد المهداوي، الصحفية والناشطة الحقوقية نزهة الخالدي، الناشطة في “حراك الريف” نوال بنعيسى، الصحفية هاجر الريسوني، الصحفي توفيق بوعشرين، المدون عدنان أحمدون، المدون سفيان النكاد، مصطفى لقاح، أمين النقابة الفرعية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل “كدش”، والمؤرخ والأستاذ الجامعي المعطي منجب، هذا إلى جانب عدد من المؤسسات والفعاليات مثل الحزب الاشتراكي الموحد في مدينة الرباط، اعتصام الاساتذة المتعاقدين أمام مديريات وأكاديميات التعليم بعدد من مدن المملكة، اعتصام المكفوفين من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل، أمام مبنى ملحقة وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بالرباط، اعتصام عمال النظافة بمطار محمد الخامس، وأخيراً اعتصام طلبة كلية الطب والصيدلة بأكادير.