الإمارات : الأخ الكبير في رواية1984

22  إبريل  2020
  • نظرة عامة

تشغل دولة الإمارات المركز الأول بين الدول العربية في نسبة انتشار الهاتف الثابت، وهي في المركز الثاني من حيث معدل نفاذ إنترنت النطاق العريض المتنقل، ولكن اﻹمارات أيضا تشغل المركز الأول في فضائح التجسس على نشطاء موقع تويتر والمدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية بالتعاون مع شركات دولة الاحتلال الإسرائيلي. فلم يغير تقدم البنية التحتية للاتصالات والإنترنت من رؤية السلطات الإماراتية المعادية لحرية الرأي والتعبير، وحرية الولوج إلى الإنترنت، ولم يعدل من طريقة تفكيرها التآمري. ولم تفلح شركات العلاقات العامة -رغم جهودها الكبيرة- في تحسين الوجه القبيح لسلطات القمع وانتهاك حقوق الإنسان في دولة الإمارات.

كما لم تغير الكلمات الرنانة، مثل وزارة اللا مستحيل، وعام السعادة، وعام التسامح، من طبيعة السلطة القمعية. فقد استغلت السلطات في دولة الإمارات كل الإمكانيات وأحدث التقنيات، لاختراق حسابات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، والمدافعين عن حقوق الإنسان، ليس في دولة الإمارات وحسب بل امتد نشاطها ليصل إلى العديد من الدول العربية أيضا.

  • التطورات في قطاع الاتصالات

يقدر عدد سكان دولة الإمارات بنحو 9.6 مليون نسمة. وتمتلك الإمارات شبكة اتصالات سريعة وفعالة، تنظمها الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات. ويخدم قطاع الاتصالات في الدولة، بشكل رئيسي، كل من مؤسسة الإمارات للاتصالات “اتصالات”، وشركة الإمارات للاتصالات المتكاملة “دو”، لتقديم خدمات الهاتف الأرضي، والمحمول، وخدمات الإنترنت، واشتراكات القنوات الفضائية، بالإضافة إلى شركة “الميسان للاتصالات عبر الأقمار الصناعية”، و”مؤسسة الاتصالات المتخصصة – نداء”، لتوفير خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية المتخصصة، لجميع الهيئات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة، وشركة “الثريا للاتصالات” لتشغيل خدمات الاتصالات المتنقلة عبر الأقمار الصناعية، وشركة “الياه للاتصالات الفضائية”، لتشغيل خدمات الأقمار الصناعية الثابتة.

ويبلغ عدد الاشتراكات في خدمات الهاتف المحمول في الإمارات نحو 19 مليون اشتراك، بنسبة انتشار تصل نحو 198% من عدد السكان. ويبلغ عدد المشتركين في خدمات الهاتف الثابت نحو 2.3 مليون مشترك، فيما بلغ عدد المشتركين في خدمات النطاق العريض نحو 3 ملايين مشترك.

  • البيئة القانونية لقطاع الاتصالات والإنترنت 

عدلت السلطات الإماراتية قوانينها وقرارتها الوزارية بما يسمح لها بتضييق الخناق على أصحاب الرأي والضمير في البلاد، ومن أجل هذا استحدثت الحكومة الإماراتية نيابة خاصة بجرائم تقنية المعلومات. وأعلن حمد سيف الشامسي، النائب العام للدولة، يوم 13 مارس 2017، عن صدور القرار الوزاري، رقم 220 لسنة 2017، بإنشاء النيابة الاتحادية لجرائم تقنية المعلومات، ومقرها في العاصمة أبو ظبي، وخُصت تلك النيابة بالتحقيق والتصرف ومباشرة الدعوى الجزائية في جرائم استعمال شبكة الإنترنت.

في يونيو 2017، أصدر النائب العام بيانًا يحذر من أن أي شخص أبدى تعاطفًا أو محاباة على نحو مكتوب أو مرئي أو لفظي، تجاه قطر، يمكن أن يعاقب بالسجن، لمدة تتراوح بين ثلاث سنوات، و15 سنة، وبغرامة لا تقل عن 500 ألف درهم (نحو 136 ألف دولار). بموجب قانون العقوبات وقانون جرائم الإنترنت لعام 2012.

كما أصدر رئيس الإمارات في 13 أغسطس 2018، تعديلاً على القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012، بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ويسمح التعديل بملاحقة أصحاب الرأي والمدونين بسبب آرائهم، بزعم “المساس بالأمن العام”، كما يمكن السلطات الأمنية من ملاحقة المتصفحين للمواقع ومن يشارك منشور أو يعيد نشر تغريدة. وحملت التعديلات عقوبات تصل إلى السجن 10 سنوات، والغرامة 4 ملايين درهم إماراتي (نحو مليون و90 ألف دولار). وتستهدف التعديلات من يدير أو يشرف أو ينشر على المواقع الإلكترونية بتهم فضفاضة مثل تعريض أمن الدولة ومصالحها للخطر، والمساس بالأمن العام.

  • الشبكات الاجتماعية

تشير الإحصائيات إلى أن 99% من المواطنين في الإمارات يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستمر. وقد أسهم كثير من الناشطين على تلك الشبكات في كشف زيف دولة السعادة والرفاهية واللا مستحيل في الامارات. لذلك لم تتوان السلطات عن تجنيد العملاء في مواقع التواصل الاجتماعي، للكشف عن حسابات المستخدمين “المشاغبين” وملاحقتهم. كما لم تتردد تلك السلطات في الاستعانة بشركات تكنولوجيا إسرائيلية وغيرها ، من أجل التجسس على المدافعين عن حقوق الإنسان، ونشطاء الانترنت.

وتشير الإحصائيات إلى زيادة عدد مستخدمي الإنترنت ليصل إلى نحو 9.5 مليون مستخدم، بنسبة انتشار 98.5%. كما تشير الأرقام إلى زيادة عدد مستخدمي فيسبوك ليصل إلى نحو 8.8 مليون مستخدم. بينما تشير الأرقام إلى تراجع عدد مستخدمي تويتر بالمقارنة بعام 2017، ليصل إلى نحو 2.3 مليون مستخدم، بعدما كان 2.5 مليون وقد يعود ذلك لقيام إدارة تويتر بحذف مئات الالاف من الحسابات الوهمية ، التي كان الكثير منها يصدر من الامارات. وتظهر المؤشرات أن عدد مستخدمي انستجرام بلغ نحو 3.7 مليون مستخدم.

  • الحجب والرقابة 

ذهبت السلطات الإمارات إلى أبعد من ملاحقة نشطاء الانترنت والمدافعين عن حقوق الإنسان بالاعتقال والمحاكمات الجائرة، حيث كٌشف النقاب مؤخراً عن قيام حكومة الإمارات باستخدام تطبيق المحادثات “ToTok” كأداة تجسس على عشرات المدافعين عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، حيث تقوم السلطات بسرقة بيانات الهاتف ومعرفة موقع مستخدمي التطبيق، والتجسس على المحادثات سواء الصوتية أو المصورة، بالإضافة إلى إمكانية التحكم في كاميرا وميكروفون الهاتف. كما تم الكشف عن تدخل السلطات اﻹماراتية، بشكل غير مشروع، في عمل المقر الإقليمي لموقع تويتر في الإمارات.

من ناحية أخرى، منعت السلطات الإماراتية الوصول إلى بعض المواقع على شبكة الإنترنت. وحددت هيئة تنظيم الاتصالات قائمة تحتوي على 19 فئة يتم حظرها على شبكة الإنترنت في البلاد. من تلك المحظورات الإساءة إلى الدولة والإخلال بالنظام العام. وشملت تلك الفئة ‌المحتوى الذي ينشر بقصد السخرية أو الإساءة لسمعة الدولة أو أي من مؤسساتها أو رئيسها أو حكام الإمارات أو أولياء عهودهم أو نواب حكام الإمارات، والمحتوى الذي يدعو إلى تغيير نظام الحكم في الدولة، والمحتوى الذي يدعو إلى تنظيم مظاهرات أو مسيرات بدون ترخيص، أو أي محتوى ترى السلطات أن من شأنه الإضرار بالعملة الوطنية أو أنه يؤدي الى بلبلة الأفكار عن الوضع الاقتصادي للبلاد، إلى جانب المحتوى الذي يتم حجبه بأمر من السلطات القضائية أو بأمر من النيابة العامة.

وعلى سبيل المثال حجبت السلطات الإماراتية، يوم 27 يوليو 2017، موقع “أرابيان بيزنس” الإلكتروني البارز المعني بشؤون المال والاقتصاد، وأوقفت نشر المجلة الخاصة به، لمدة شهر؛ بزعم نشر “أخبار كاذبة” في تقرير حول مشاريع عقارية فاشلة في دبي.

وعقب قيام السلطات الإماراتية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر عام 2017، حجبت الحكومة موقع قناة الجزيرة إﻹخبارية القطرية على شبكة الإنترنت ومعظم قنوات البث التي تمولها قطر.

وفي 11 أبريل 2019، حجبت السلطات الإماراتية تطبيق المحادثة “سكايب”، في البلاد بدعوى أن الصوت غير المرخص عبر خدمة بروتوكول الإنترنت، قد يشكل مخاطر تتمثل في القرصنة والخداع وتهديد الخصوصية.

كما نشر محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في 31 أغسطس 2019، عبر حسابه على موقع تويتر، رسالة هدد فيها المغردين من خطورة ما أطلق عليه “العبث والفوضى على مواقع التواصل الاجتماعي”، وقال بن راشد أن “سمعة دولة الإمارات ليست مشاعا لكل من يريد زيادة عدد المتابعين”.

  • الملاحقة والتهديدات الأمنية 

لم تتوقف الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها السلطات الإماراتية عند حدود الملاحقة البوليسية والقضائية لنشطاء مواقع التواصل الاجتماعي والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل امتدت الانتهاكات لتصل إلى استمرار اعتقال النشطاء بعد قضاء فترة العقوبة فيما أطلقت عليه “مراكز المناصحة”. وعلى سبيل المثال فقد استمر اعتقال الناشط أسامة النجار منذ 17 مارس 2017، حتى تم إطلاق سراحه يوم 8 أغسطس 2019، بناءً على قرار من النيابة العامة بتمديد فترة اعتقاله معتبرة أنه ما زال يشكل “تهديداً للمجتمع”، وأمرت المحكمة بنقله إلى “مركز للمناصحة” بموجب المادة 40 من القانون الاتحادي رقم 7/2014 بشأن مكافحة جرائم الإرهاب. وكانت السلطات قد ألقت القبض على أسامة النجار، في 17 مارس 2014، وحكمت عليه في 25 نوفمبر من نفس العام، بالسجن ثلاث سنوات ودفع مبلغ قدره 500 ألف درهم إماراتي (نحو 136 ألف دولار)، بزعم “نشر الاكاذيب، والانتماء إلى حركة الإصلاح، والتحريض على الكراهية ضد الدولة”، وذلك على خلفية إرساله تغريدات إلى وزير الداخلية أعرب فيها عن قلقه بشأن والده حسين النجار، الذي يعد واحداً من أعضاء مجموعة الإمارات 94، وإساءة معاملته في السجن.

 

محاكمة الناشط الحقوقي أحمد منصور الشحي

اقتحم رجال الشرطة الإماراتيون منزل الحقوقي أحمد منصور الشحي، في 20 مارس 2017، وقاموا بتفتيش المنزل ومصادرة الأجهزة الإلكترونية، تم جرى اقتياد أحمد منصور إلى جهة مجهولة. ولاحقا أعلنت نيابة الجرائم الإلكترونية والتقنية في الإمارات القبض عليه، ووجهت له تهمة نشر “معلومات مغلوطة” و”أخبار كاذبة”، من أجل “إثارة الفتنة الطائفية والكراهية”، و”نشر معلومات مغلوطة تضر بالوحدة والانسجام الوطني والإضرار بسمعة الدولة”، بسبب تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومنذ اعتقاله وحتى محاكمته وضع أحمد منصور في حبس انفرادي، ومنع من مقابلة محام من اختياره، وتعرض لسوء معاملة قبل محاكمته. وفي 29 مايو 2018، أصدرت محكمة الاستئناف الاتحادية في أبو ظبي حكما بسجنه لمدة 10 سنوات، وتغريمه مليون درهم (270 ألف دولار)، بزعم “تشويه سمعة الدولة ونشر شائعات وأكاذيب لإثارة الفتنة والكراهية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، كما أمرت بوضعه تحت المراقبة لمدة 3 سنوات تبدأ من تاريخ انتهاء تنفيذ عقوبة السجن، ومصادرة أجهزة الاتصالات المستخدمة، ومحو العبارات التي نشرها، وإغلاق المواقع المستخدمة. ومع آخر يوم في عام 2018، قضت المحكمة الاتحادية العليا بتأييد الحكم الصادر ضد أحمد منصور.

يذكر أن أحمد منصور هو ناشط ومدون إماراتي بارز، حائز على جائزة مارتن إينالز للمدافعين عن حقوق الإنسان لسنة 2015، وأطلق حملات ضغط منذ سنة 2006 لحث السلطات على احترام الحق في حرية التعبير والحقوق المدنية والسياسية. وكان أحد المبادرين لإطلاق عريضة في منتدى حوار الإمارات، يوم 3 مارس 2011، للمطالبة بالإصلاح الديمقراطي لبرلمان دولة الإمارات، وسجن هو وأربعة آخرون، في وقت ٍلاحق بتهمة، “إهانة ​​قيادة الإمارات في قضية “UAE5”، وقضى معظم سنة 2011 بالسجن، بسبب معارضته عبر الإنترنت، حتى صدر عفو عنه في نوفمبر 2011. استهدف أحمد منصور باستمرار بسبب نشاطه الرقمي. كما تعرض للتهديد بالقتل، وتم اختراق حسابه على تويتر والبريد الإلكتروني في أكتوبر 2014.

 

محاكمة الأكاديمي ناصر بن غيث بسبب آرائه على مواقع التواصل الاجتماعي

أصدرت محكمة استئناف أبو ظبي الاتحادية، في 29 مارس 2017، حُكماً على الخبير الاقتصادي البارز ناصر بن غيث المري، بالسجن لمدة 10 سنوات، بموجب قانون الجرائم الإلكترونية وقانون مكافحة الإرهاب لعام 2014، بزعم “إهانة دولة الإمارات” وذلك استناداً على آراء نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي واعتبرتها السلطات “مهينة” للإمارات.

كما اتهم بن غيث بـ “التواصل والتعاون مع أعضاء منظمة الإصلاح المحظورة”، في اشارة الى الزيارات واللقاءات مع أعضاء “الإمارات 94”، وهي مجموعة من المدافعين عن حقوق الإنسان، ومنتقدي الحكومة، ودعاة الإصلاح والذين حًوكموا في عام 2013 وحُكم عليهم بالسجن لمدد طويلة.

وكانت قوات الأمن بملابس مدنية قد داهمت منزل الدكتور بن غيث في إمارة أبو ظبي، يوم 18 أغسطس 2015، وقامت بتفتيش منزله ومصادرة أغراضه الشخصية. واعتقل بمعزل عن العالم الخارجي حتى تم عرضه على غرفة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، يوم 4 أبريل 2016، ثم أعاد القاضي القضية إلى محكمة الاستئناف الاتحادية في ديسمبر 2016.

الدكتور ناصر بن غيث المري هو أكاديمي وخبير اقتصادي، وأحد أعضاء المجموعة المعروفة باسم “الإمارات 5″، وهم خمسة نشطاء يدعون إلى إصلاحات سياسية في البلاد، وسُجنوا من أبريل 2011 بتهمة “الإهانة العلنية” للمسؤولين.

 

حبس الصحفي الأردني تيسير النجار

قضت محكمة استئناف أبو ظبي الاتحادية، يوم 15 مارس 2017، بسجن الصحفي الأردني المقيم في الإمارات للعمل، تيسير النجار، لمدة 3 سنوات، وتغريمه 500 ألف درهم إماراتي (نحو 136 ألف دولار)، بزعم ”إهانة رموز الدولة”، كما أمرت المحكمة بإغلاق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وإبعاده عن البلاد بعد انقضاء فترة العقوبة، وفقاً للمادة 29 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2012.

وتأتي محاكمة تيسير النجار على خلفية تعليقات نشرها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، واعتبرتها السلطات مسيئة للدولة.

وفي 19 يونيو 2017، قررت المحكمة الاتحادية العليا بأبوظبي تثبيت الحكم بسجن النجار لمدة 3 سنوات وتغريمه 500 ألف درهم إماراتي، ورد الطعن الذي تقدم به.

أنهى تيسير النجار مدة العقوبة في 13 ديسمبر 2018، ولكنه ظل معتقلا ولم يٌفرج عنه سوى يوم 12 فبراير 2019، لعدم تمكنه من دفع الغرامة الباهظة.

وكانت الأجهزة الأمنية في الإمارات قد منعت تيسير النجار من السفر الى عمان في 3 ديسمبر 2015، وطلبوا منه مراجعتهم يومياً دون أن يتلقى أية إجابة عن سبب منعه من السفر، وفي صباح 13 ديسمبر 2015، تم اعتقاله، دون إخطار ذويه أو السفارة الأردنية، ولم يكشف عن اعتقاله سوى في 22 يناير 2016، وظل الغموض يحيط بقضية اعتقاله حتى مارس 2016.