ضمانات وحقوق المحبوس احتياطيا وإهدارها من جانب سلطات التحقيق

26  فبراير  2020

مقدمة:    

الحبس الاحتياطي من أهم مظاهر المساس بالحرية الشخصية للمواطنين كونه سلب لحرية الشخص المتهم خلال مراحل التحقيق في الدعوى الجنائية، ولما يترتب عليه من مساس مباشر بحق الإنسان في التنقل الذي كفله الدستور وذلك خلال مرحلتين من مراحل الدعوى الجنائية التي تلازمه فيه قرينة البراءة، ولم يعرف القانون المصري  ما هو ” الحبس الإحتياطي” وإنما أشار إليه المشرع المصري كونه إجراء إحترازي وصفته محكمة النقض بأنه إجراء بغيض كونه يتعارض مع قرينة البراءة التي تعد حق أصيل للإنسان وتلازمه منذ نشأته و لا يجوز الانتقاص منها.

ويذهب الدكتور أحمد فتحى سرور إلى أن الحبس الاحتياطى إجراء بالغ المساس بالحرية الشخصية، وقد كان له ماضٍ ملوث شهد إساءة استخدامه فى كثير من الدول، خاصة فى النظم التسلطية التى تتفوق فيها حقوق السلطة على حقوق الفرد، وبمقتضى هذا الإجراء يُودع المتهم فى السجن خلال فترة التحقيق كلها أو بعضها، ويتعرض لانتهاك كرامته الانسانية التى كان يتمتع بها إبان كان طليق السراح، وهو ما يحتم التدقيق فى مراعاة درجة التناسب بين آلام الحبس الاحتياطى ومصلحة المجتمع

وجدت قرينة البراءة في كافة القوانين والدساتير، حيث كفل الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية والقانون افتراض قرينة البراءة في المتهمين.

– حيث نص الدستور المصري في مادته رقم 96 على أن ” المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. وينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات.”

– ونص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فى مادته رقم 11 على “كلُّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وُفِّرت له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.

– ونصت المادة رقم 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على” ….. من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانوناً”

ونظم قانون الإجراءات الجنائية منذ صدوره عام 1950 أحكام الحبس الإحتياطي وشروطه وطريقة تنفيذه، إلى أن قام المشرع المصري في عام 2006 بإدخال تعديلات الهدف منها وضع ضمانات للمحبوس احتياطيا حتى لا يتحول من إجراء احترازي للحفاظ على إجراءات التحقيق إلى عقوبة للتنكيل بالمتهمين.

– الهدف من الورقة:

تهدف الورقة إلى توضيح كيف تحول الحبس الاحتياطي من إجراء إحترازي- للمتهم ضمانات به – إلى عقوبة تستخدمه نيابة أمن الدولة العليا للتنكيل به من خلال شرح الضمانات القانونية المنصوص عليها في ضوء القانون رقم 145 لسنة 2006 وكيفية إهدارها من خلال رصد لنماذج قضايا مطروحة أمام نيابة أمن الدولة .

– ضمانات المحبوس احتياطيا في القانون رقم 145 لسنة 2006

استحدث المشرع المصري عند تعديل قانون الإجراءات الجنائية في عام 2006 ضمانات للمحبوس احتياطيا في المادة 134 من القانون حرصا منه على إعادة التناسب بين حماية الحرية الشخصية للفرد وحماية المجتمع لمصلحة الحرية الشخصية ومصلحة التحقيق التي شرع الحبس الاحتياطي للحفاظ عليها.

وتتمثل الضمانات المستحدثة في الحبس الاحتياطي فيما يلي:

– استجواب المتهم قبل صدور قرار الحبس الاحتياطي

– سماع أقوال النيابة العامة في طلبها للحبس الاحتياطي

– إبلاغ المتهم بأسباب حبسه احتياطيا

– تمكين المحبوس الاحتياطي من الاستعانة بمحام وحقه في التواصل الدائم معه

– عرض أمر الحبس الإحتياطي على النائب العام

– اتاحة الطعن على الأوامر الصادرة بالحبس الاحتياطي أو بمده

– وسنتناول في السطور التالية شرح كل ضمانة وكيفية إهدارها من قبل نيابة أمن الدولة من خلال سرد لقضايا منظورة داخل أروقة النيابة

1) عدم جواز إصدار قرار الحبس الاحتياطي دون استجواب المتهم

– عرف  القاضى سرى محمود صيام نائب رئيس محكمة النقض الأسبق الاستجواب “هو مناقشة المتهم تفصيلياً ومواجهته بالتهمة محل التحقيق وتفنيد الأدلة المقدمة ضده، وهو إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي، يختص به قاض التحقيق أو النيابة العامة اختصاصا اسستئثاريا لا يجوز بأي حال تفويض جهة أخرى فيه.

كما عرف الدكتور رؤوف عبيد الاستجواب بأنه “استجواب المتهم غير سؤاله، لأنه يتطلب فضلا عن توجيه التهمة إليه مجابهته بالأدلة المختلفة القائمة قبله، ومناقشته فيها مناقشة تفصيلية، كى يفندها إن كان منكراً للتهمة، أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف”

وقد نصت المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية على  أنه” يجوز لقاض التحقيق بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبا عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافيه أن يصدر أمر بحبس المتهم احتياطيا”.

وقد تعاظمت قيمة هذه الضمانة بالتعديلات التي أُدخلت في القانون على الأحكام الخاصة بالاستجواب، المنصوص عليها فى المادة 124 إجراءات والتى تمثلت في وجوب دعوة محامى المتهم فى الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً، وذلك قبل استجوابه أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود، كما ألزمت المحقق من تلقاء نفسه أن يندب محام للحضور مع المتهم إن لم يكن له محاميا أو إن لم يحضر محاميه بعد دعوته وكانت هذه الضمانات قبل التعديل مقتصرة على الجنايات فقط.

وجاء الاستثناء على التعديل الوارد فى المادة الذي تتيح لجهة التحقيق إصدار أمر حبس الشخص احتياطيا دون الاستجواب هي حالة هروب المتهم وينفذ قرار الحبس الاحتياطي فور إلقاء القبض عليه.

ووضح القانون الفرق بين السؤال والاستجواب، واعطى القانون سلطة الاستجواب دون موافقة المتهم أو دفاعه إلى النيابة العامة وانما قصر المحكمة على سؤال المتهم عن الاتهام المسند إليه دون استجوابه إلا بموافقة المتهم وفي حضور دفاعه.

وتقوم نيابة أمن الدولة العليا بإهدار تلك الضمانة وتقوم بإصدار قرار حبس المئات من المتهمين المعروضين عليها في المئات من القضايا احتياطيا دون إجراء استجوابا حقيقيا وفقا لنص المادة سالفة البيان فعلى سبيل المثال:

حبس الطالب معاذ الشرقاوي في القضية رقم 440 لسنة 2018 حصر أمن دولة:-

حققت نيابة أمن الدولة العليا مع الطالب معاذ الشرقاوي بتاريخ  13 أكتوبر 2018 في القضية رقم 440 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا وكان محور التحقيق حول نشأة حياة الطالب الدينية والإجتماعية وتوجهاته السياسية الذي استمر لقرابة الساعتين وفي نهاية التحقيق وجهت إليه تهمتي الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة دون إجراء استجواب المتهم عن تلك الاتهامات وأصدرت قرار حبسه احتياطيا على ذمة القضية، وتوالى عرض معاذ على النيابة لنظر تجديد حبسه وتكتفي بسؤاله عن رده على الاتهامات سالفة البيان التي ينكرها في جلسة لا تتعدى الخمس دقائق ولا يزال محبوسا احتياطيا على ذمة تلك القضية حتى اﻵن لقرابة العام ونصف دون إجراء استجوابا له في إهدار واضح لضمانة من ضمانات الحبس الإحتياطي.

2) وجوب سماع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم قبل صدور قرار الحبس الاحتياطي

أوجبت المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية على قاض التحقيق قبل أن يصدر أمرا بالحبس الإحتياطي أن يسمع أقوال النيابة العامة في أسباب طلبها لحبس المتهم احتياطيا وكذلك دفاع المتهم ورده على تلك الأسباب وكان الهدف من ذلك أن يقف قاض التحقيق على وجهات نظر طرفي الخصومة الجنائية وكانت تلك الضمانة للمتهم باعتبار أن النيابة خصم شريف تعمل بواجبات القانون حتى وإن كانت في صالح المتهم، ومن ثم يتصور أن تبدي النيابة العامة في هذا الإطار ما يحقق مصلحة المتهم.

ويتمثل إهدار تلك الضمانة الهامة قيام نيابة أمن الدولة خلال الشهور الأولى لحبس المتهم احتياطيا بالجمع بين سلطة التحقيق وسلطة تجديد الحبس، فتقوم باصدار قرارات الحبس الاحتياطي دون أن تقوم بسرد دفاعها لطلب مد الحبس الاحتياطي.

ولم يقتصر إهدار تلك الضمانة على نيابة أمن الدولة وحدها وإنما أمتد إلى دوائر تجديد الحبس في محكمة الجنايات المنعقدة في غرفة المداولة في العديد من القضايا المنظورة أمام نيابة أمن الدولة ومنها على سبيل المثال:

مد الحبس الاحتياطي في القضية رقم 488 لسنة 2019 حصر أمن دولة:

بعد وقوع حادث محطة مصر في أوائل شهر مارس 2019 ألقي القبض على المئات من المواطنين وإحالتهم إلى نيابة أمن الدولة العليا ووجهت اليهم اتهامات مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها واساءة استخدام وسائل التواصل الإجتماعي فيس بوك ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة في القضية رقم 488 لسنة 2019 حصر أمن دولة وتوالى نظر تجديد حبسهم أمام دوائر تجديد الحبس في محاكم الجنايات التي تصدر قرارتها بمد أمر الحبس دون سماع مرافعة النيابة العامة حول أسباب طلبها مد الحبس الاحتياطي في إهدار واضح لضمانة من ضمانات الحبس الإحتياطي.

وتضم هذه القضية بجانب المئات من المواطنين الذين ألقي القبض عليهم من محيط ميدان رمسيس عددا من الصحفيين أمثال المصور الصحفي إسلام مصدق، الصحفي محمد صلاح، الصحفية سولافة مجدي، الصحفية إسراء عبد الفتاح، القيادي العمالي كمال خليل، اساتذة العلوم السياسية حازم حسني وحسن نافعة والمحاميان الحقوقيان ماهينور المصري، وعمرو إمام.

3) وجوب أن يكون قرار الحبس الإحتياطي مسببا

نصت المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية على أن ” يبلغ فورا كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطيا بأسباب القبض عليه أو حبسه، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام. ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة اليه.

لم يكن المشرع المصري يلزم السلطة مصدرة قرار الحبس الإحتياطي أن تبين أسبابا محددة لإصدار أمرها بالحبس الاحتياطي، وقد تدخل المشرع في عام 2006 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006 وحدد أسباب للحبس الإحتياطي لا يجوز إصدار القرار إلا بتوافر أحد هذه الأسباب، وكانت هذه الأسباب الواردة في نص المادة 143 من القانون على سبيل الحصر والمتمثلة في أن يكون إلقاء القبض على الشخص متلبسا بارتكاب الجريمة، عدم وجود محل إقامة ثابت ومعلوم داخل جمهورية مصر العربية وخشية هروبه خارج البلاد، خشية الإضرار  بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجنى عليهم أو الشهود، أو خشية العبث في الأدلة والقرائن المادية وتوخي الإخلال بالأمن والنظام العام.

ويتضح من نص تلك المادة أن المشرع قد وضع ضمانة أن يصدر القرار وفقا للأسباب الواردة وفقا لنص المادة للوزن بين مصلحة التحقيق والحرية الشخصية للمواطنين وحرصا منه على الأ يتحول الحبس الإحتياطي من تدبير احترازي إلى عقوبة يتم الإفراط في استخدامها للتنكيل بالمحبوس احتياطيا

وتهدر نيابة أمن الدولة العليا تلك الضمانة من خلال إصدار قرارات بحبس المئات من المتهمين المعروضين عليها في المئات من القضايا احتياطيا وتكتفي بتدوين بعض من العبارات على محضر جلسة التجديد دون إبلاغ المتهم بالأسباب التي دفعتها إلى إصدار قرار الحبس ومنها على سبيل المثال:

مد الحبس الإحتياطي في القضية 1739 لسنة 2018 حصر أمن دولة:

بدأت وقائع القضية في نهاية شهر ديسمبر 2018 عقب إطلاق حملة من الإعلامي معتز مطر المتواجد خارج جمهورية مصر العربية تحت عنوان ” اطمن انت مش لوحدك” و مناشدته للمواطنين بإطلاق الصافرات والخبط على الأواني للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فألقت قوات الأمن القبض على المئات من المواطنين وإحالتهم إلى نيابة أمن الدولة العليا ووجهت إليهم تهم مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، نشر أخبار وبيانات كاذبة التي قررت حبسهم بدون إبداء أي أسباب عن استمرار حبسهم ولا يزال المئات من المواطنين رهن الحبس الإحتياطي حتى اﻵن.

4) تمكين المحبوس احتياطيا  من الاستعانة بمحام وحقه في الاتصال معه دائما

تعد ضمانة تمكين المحبوس احتياطيا من الاستعانة بمحام من أوجه تجسيد الحق في الدفاع الذي يتصدر ضمانات التقاضي والمحاكمة العادلة.

وذهبت المحكمة الدستورية العليا على أن ” حق الدفاع وثيق الصلة بالدعوى الجنائية من زاوية تجلية جوانبها وتصحيح إجراءاتها ومتابعتها، وعرض المسائل الواقعية القانونية والقانونية التي تؤيد مركز المتهم بما يكفل ترابطها، والرد على ما يناهضها، وإنه لا يتصور أن يكون فعالا إلا بضمان ألا يعزل المتهم عن الاتصال بمحاميه بطريق مباشر أو غير مباشر، سواء كان ذلك في مرحلة الفصل قضائيا في الاتهام أو قبلها، إذ لا ينبغي أن يكون حق الدفاع مقصورا على مرحلة الاتهام أو كيفية الفصل فيه، دون مراحل التحقيق التي يكون التركيز فيها ليس على جريمة مازال أمر وقائعها وبواعثها مشوبا بالغموض، وإنما على شخص محدد مشتبه فيه بارتكابها، محاطا من الجهة التي تتولاه بأسئلتها وتحفظها عليه”

وكان الغرض الرئيسي من وضع هذه الضمانة هي إتاحة الفرصة لدفاع المتهم لترتيب الدفاع اللازم، وإعداد أدلة النفي بكافة أنواعها، وتفنيد ما تتقدم به سلطة التحقيق من أدلة الإثبات والرد عليها.

وتهدر تلك الضمانة كغيرها من الضمانات من قبل نيابة أمن الدولة في الكثير من القضايا التي تعرض أمامها فتقوم بإجراء أولى جلسات التحقيق مع المتهمين دون حضور محاميه أو حتى أن تقوم بندب أحد المحامين إعمالا لنص المادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية ومن القضايا التي أهدر بها تلك الضمانة على سبيل المثال:

التحقيق مع المدون محمد  أكسجين في القضية 1356 لسنة 2019 حصر أمن دولة في غيبة محاميه:

ألقت قوات الأمن على المدون محمد أكسجين من داخل قسم شرطة البساتين بتاريخ 21 سبتمبر 2019 أثناء تنفيذه للتدابير الاحترازية في القضية رقم 621 لسنة 2018 حصر أمن دولة وظل رهن الاختفاء القسري، وبتاريخ 8 أكتوبر 2019 ظهر المدون داخل نيابة أمن الدولة والتحقيق معه في القضية رقم 1356 لسنة 2019 حصر أمن دولة وبالرغم من وجود محاميه داخل مبنى النيابة وطلب السماح بحضور التحقيقات الا أن نيابة أمن الدولة حققت مع المتهم بدون حضور محاميه ووجهت اليه اتهامات مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، اساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، نشر واذاعة أخبار وبيانات كاذبة وقررت حبسه احتياطيا على ذمة القضية، الأمر الذي دفع محاموا الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بتقديم شكوى إلى السيد المستشار النائب العام، ومدير إدارة تفتيش النيابات في وزارة العدل بتلك الواقعة

5) وجوب عرض أمر الحبس الإحتياطي على النائب العام

أوردت الفقرة الثانية من المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية على هذه الضمانة بنصها على أنه ” … ومع ذلك يتعين عرض الأمر على النائب العام إذا انقضى على حبس المتهم احتياطيا ثلاثة أشهر، وذلك لاتخاذ الإجراءات التي يراها كفيلة للانتهاء من التحقيق”

تضمن نص المادة سالفة البيان على وجوب عرض التحقيقات على المستشار النائب العام لتقدير مدى توافر مبررات قرارات الحبس الاحتياطي الصادر قبل المتهمين، للوقوف على مجريات التحقيقات من حيث مدى السير في إجراءاته بالسرعة المعقولة، أو من جهة ما قد يكون هناك من تراخ في هذه الإجراءات أو بطء غير مبرر في اتخاذها.

وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا على تلك الضمانة  من منطلق “إن الحق في محاكمة منصفة يتضمن – بين ما يشتمل عليه – الحق في محاكمة لا يكتنفها بطء ملحوظ، باعتباره من الحقوق الجوهرية التي لا يجوز  أن يكون الاتهام معها متراخيا دون مسوغ، معلقا أمدا طويلا بما يثير قلق المتهم، ويعوق بالضرورة مباشرته للحقوق والحريات التي كفلها الدستور”

وعلى الرغم من أن ما ذهب إليه الدكتور مأمون سلامة “إلى اعتبار حكم وجوب عرض التحقيق على النائب العام على النحو سالف البيان قاعدة تنظيمية لا يترتب على مخالفتها بطلان الحبس الإحتياطي، وانما هو ضمانة للحد من اطالة حبس المواطنين احتياطيا”، إلا أننا نرى إن هذا الرأي من الفقه ضد صريح النص وقصد المشرع وذلك بحسبان أن:

– لفظ “يتعين” الذي أورده المشرع في صدر المادة 143 من قانون الإجراءات له مدلول في اللغة العربية والمعاجم اللغوية بمعنى الإلزام والوجوب، فيترتب على إغفال الوجوب بطلان الإجراءات المترتبة عليه.

– استهداف المشرع من عرض الأوراق على المستشار النائب العام هو العودة إلى الشخص الأصيل دستوريا بالتحقيق ولا يمكن إعتبار إحالة الأمر إلى النائب العام قرار هزلي وذلك كون النص قد حدد دورا هاما له حال عرض الأوراق عليه والتي تمكنه بشخصه وصفته من اتخاذ الإجراءات التي يراها كفيلة للانتهاء من التحقيق

إلا أن الواقع العملي تقوم نيابة أمن الدولة باستمرار مد قرارات الحبس الاحتياطي لمدة تجاوز السنتين وهي اقصى مدة منصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية ومنها على سبيل المثال:

مد قرارات الحبس الاحتياطي وبدائله في قضية الصحفي هشام جعفر:

في أوائل شهر أكتوبر عام 2015 ألقت قوات الأمن القبض على الصحفي ومدير مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية عقب إقتحام المؤسسة وإحالته إلى نيابة أمن الدولة والتحقيق معه في القضية رقم 720 لسنة 2015 حصر أمن دولة ووجهت إليه تهم الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، تلقي رشوة دولية وظل رهن الحبس الاحتياطى لثلاثة سنوات ونصف إلى أن صدر قرار بتاريخ 27 مارس 2019 باستبدال الحبس الاحتياطي بتدبير احترازي ولا يزال الصحفي تحت التدبير الاحترازي ولم تنتهي التحقيقات في القضية حتى اﻵن.

6) استئناف أوامر الحبس الاحتياطي أو قرارات مدها

حرص المشرع في القانون رقم 145 لسنة 2006 على اكتمال منظومة ضمانات الحبس الاحتياطي، على نحو يحقق فاعليتها ويصل بها إلى تحقيق أهدافها وغايتها، واستحدث في الفقرة الثانية من المادة 164 من قانون الإجراءات الجنائية والتي أعطت الحق للمتهم أن يستأنف الأمر الصادر بحبسه احتياطيا أو بمد هذا الحبس بعد أن كان مقتصرا قبل التعديل على أن يكون الاستئناف للنيابة العامة وحدها، وكذلك الفقرة الثانية من المادة 205 من ذات القانون التي أعطت ذات الحق وهي الضمانة التي تكتمل بها منظومة الضمانات التي استهدفت تحقيق أقصى درجات سلامة ممارسة الحبس الاحتياطي.

وتتمثل إهدار تلك الضمانة من قبل نيابة أمن الدولة في شكل صورة غريبة كغيرها من الضمانات المهدرة، فتارة تقوم نيابة أمن الدولة بتمكين المحبوسين احتياطيا من استئناف أوامر الحبس الصادرة قبلهم وتارة أخرى تقوم بإيقاف الاستئنافات دون سند قانوني وعادة تكون الحجة المعلنة هي “التعذرات الأمنية”، فقد يستمر إيقاف تمكين المحبوسين احتياطيا من استئناف أمر الحبس شهور، وتهدر النيابة تلك الضمانة في الكثير من القضايا ومنها على سبيل المثال:-

عدم تمكين رانيا الجويلي من استئناف أمر حبسها:

في 12 مايو 2019 ألقت قوات الأمن القبض على المواطنة رانيا الجويلي من منزلها في مدينة الرحاب وظلت رهن الاختفاء لمدة أربعة أيام إلى أن ظهرت داخل نيابة أمن الدولة في 16 مايو 2019 وتم التحقيق معها في القضية رقم 741 لسنة 2019 حصر أمن دولة ووجهت اليها إتهامات مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، اساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الإجتماعي ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة وقررت نيابة أمن الدولة حبسها على ذمة القضية ولاتزال رانيا رهن الحبس الإحتياطي حتى الآن ولم تمكن من استئناف أي قرار مد حبسها احتياطيا حتى اﻵن في حين قيام نيابة أمن الدولة باستئناف قرارات إخلاء سبيلها في صورة واضحة لإهدار تلك الضمانة.

– التوصيات

تطالب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان سلطات التحقيق بإحترام الضمانات المكفولة للمحبوس احتياطيا ومراعاة تطبيقها عند إصدار قرارات الحبس الاحتياطي، كما تطالب النائب العام في حث النيابة العامة وسلطات التحقيق في ضرورة تحقيق مبدأ العدالة الناجزة والعادلة والكف عن استخدام الحبس الاحتياطي المطول الذي تحول من تدبير احترازي إلى عقوبة للتنكيل بالمعارضين للسلطة الحالية.


و تقدمت الشبكة العربية بعريضة لتفسير التناقض في تطبيق مواد الحبس الاحتياطي

 وتدعو الشبكة العربية كل مؤمن بالعدالة وسيادة القانون في مصر للتوقيع على العريضة من خلال الرابط


النسخة ال pdf من الورقة

النسخة ال word من الورقة