جريمة يجب إيقافها : نشر صور أو اعترافات المشتبه بهم والمتهمين في وسائل الإعلام، قبل ادانتهم

مقدمة

ظهور المشتبه بتورطهم في جرائم أو المتهمين في قضايا من خلال وسائل الإعلام يكاد يكون أمرا اعتياديا كون أخبار الجريمة وجهود مكافحتها جزء ثابت من الوجبة الإعلامية اليومية المقدمة للجمهور من خلال وسائل الإعلام هذه. يعود الاهتمام بأخبار الحوادث إلى البدايات المبكرة للصحف الدورية، ويعود نشر صور للمتهمين ولتفاصيل الاتهامات الموجهة إليهم واعترافاتهم أمام سلطات التحقيق، إلى هذه البدايات المبكرة. ويغيب بذلك عن خيال الغالبية العظمى من المتابعين للإعلام إمكان أن يكون نشر مثل هذه التفاصيل انتهاك لحقوق من تتناولهم سواء كانوا من المشتبه بهم أو المتهمين بالفعل أو حتى ضحاياهم أو أفراد عائلاتهم. فبحكم الاعتياد يمر المتابعون بهذه المواد الإعلامية دون التفات إلى أثرها الضار بصفة خاصة على الحق في محاكمة عادلة.

بينما التفتت كثير من أدبيات حقوق الإنسان إلى إشكالية إحداث التوازن بين حرية الإعلام، ودوره في ضمان الحق في المعرفة للمواطنين من جهة، وبين مبدأ افتراض براءة كل متهم حتى تثبت إدانته بشكل بات ونهائي في محاكمة تتوافر لها شروط العدالة، وحقوق المشتبه بهم والمتهمين في محاكمة عادلة من جهة أخرى، فالغرض من هذه الورقة القصيرة هو إلقاء الضوء على هذه الإشكالية بشكل مبدئي من خلال عرض نماذج بعضها بارز ومشهور وبعضها الآخر هو فقط قمة جبل الجليد لظاهرة مستشرية في الإعلام بوسائله المختلفة. وتهتم الورقة كذلك بإيضاح استخدام السلطات لوسائل الإعلام ﻹيصال رسائل بعينها للجمهور والترويج لتصورات قد تخالف الحقيقة لتبرير سياسات للدولة قد يكون منها قمع معارضين وانتهاك حقوقهم، بما في ذلك الحق في الحياة.

القضايا السياسية

مظاهرات 20 سبتمبر

في 25 سبتمبر الماضي، عرض الإعلامي عمرو أديب، من خلال برنامجه “الحكاية” المذاع على قناة MBC مصر،[1] مقاطع فيديو ﻷشخاص وصورا ﻷوراق ثبوتية ومتعلقات أخرى قال إنها خاصة بهم. وقال أديب أن هؤلاء هم أجانب ومصري ألقت السلطات المصرية القبض عليهم لاشتباهها في قيامهم بالتحريض على التظاهر أو بتصوير مظاهرات أو خدمات أمنية بشوارع القاهرة لصالح جهات خارجية، وتضمنت مقاطع الفيديو اعترافات لهؤلاء الأشخاص تفاوتت في مدى مطابقتها لما نسبه أديب إليهم.

شملت قائمة من عرض البرنامج مقاطع فيديو لاعترافاتهم: أردنيين وفلسطيني وهولندي وتركي وسوداني ومصري، وتباينت أقوالهم بين اقتصارها على إقرارهم بأنهم قاموا بتصوير المظاهرات أو مناطق بوسط المدينة وبين اعترافات بتلقي بعضهم أوامر بالدخول إلى مصر للمساعدة في تأجيج المظاهرات أو تصويرها وإرسال المادة المصورة إلى جهات خارجية. وجدير بالذكر أن نيابة أمن الدولة العليا التي تولت التحقيقات في القضية التي أحيل هؤلاء على ذمتها أمرت لاحقا بإطلاق سراح جميع الأجانب بها بعد سعي سفارات دولهم ﻹعادتهم إلى أوطانهم، وبعض هؤلاء أدلى بتصريحات بعد عودته إلى بلده ادعى فيها أنه قد أدلى بالاعترافات المصورة بعد تعرضه للتعذيب وتحت ضغط التهديد بالمزيد منه!

محاولة اغتيال السيسي

قبل يومين فقط من انفراده بعرض الاعترافات السابقة، انفرد عمرو أديب من خلال نفس البرنامج بالكشف عن مؤامرة لاغتيال الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال رصد الاستراحة الرئاسية في منطقة المعمورة بمدينة الإسكندرية. القضية التي كشف عنها أديب لم يسبق الإعلان عنها رغم أن وقائع القبض على المتهمين فيها تعود إلى عام 2017 حسب ما ذكره بالبرنامج، وقد برر أديب الكشف عن هذه القضية في هذا التوقيت بالرد على اتهامات الفساد في أعمال إنشاءات القصور الرئاسية التي أطلقها المقاول محمد علي من أسبانيا، وكان أحد المشروعات التي ذكرها علي هو أعمال تجديد استراحة الرئاسة في المعمورة. وفي حين حاول أديب من خلال مقاطع فيديو للاستراحة عن بعد إيضاح أن المبالغ المنفقة على تجديدها لا يمكن أن تصل إلى تلك التي ذكرها علي، إلا أنه من غير الواضح الرابط بين ذلك وبين قضية التآمر لاغتيال الرئيس، سوى إلماح أديب بشكل غير مباشر إلى إمكان ضلوع المقاول نفسه في هذه المؤامرة.

في مقاطع الفيديو التفصيلية التي صورت من شقة سكنية تطل من مسافة تبلغ 1.5 كم على الاستراحة الرئاسية، ظهرت معدات تصوير قال أديب أن المتهمين استخدموها لرصد الاستراحة والتحركات بها، وفي مقاطع لاحقة ظهر شخصان أدليا باعترافات حول دورهما في المؤامرة المذكورة. ولم يذكر أديب عن القضية التي يفترض أن المتهمين قد أحيلوا إلى القضاء (العسكري؟) من خلالها سوى رقمها.

قضية اغتيال النائب العام

لقي المستشار هشام بركات النائب العام الأسبق مصرعه في 29 يونيو 2015 بعد تفجير استهدف موكبه قرب منزله بمصر الجديدة. الصدمة الكبيرة التي أحدثها العمل الإرهابي وملابسات تنفيذه في منطقة هامة من العاصمة وضعا ضغوطا كبيرة على الأجهزة الأمنية وشكلا تحديا لها لسرعة الكشف عن الجناة مما أدى إلى أن تعلن هذه الأجهزة خلال الشهور التالية عن كشفها للجناة مرتين الأولى في الأول من يوليو 2015 أي بعد أيام من العملية حيث قالت وزارة الداخلية أن قوات الأمن قتلت 13 من قيادات الإخوان ونسبت إليهم الضلوع في اغتيال النائب العام، والثانية في 4 فبراير 2016 وفيها أيضا أعلنت الوزارة عن تصفية قتلة النائب العام. ثم أعلن وزير الداخلية بنفسه بعد حوالي شهر في 6 مارس 2016 عن توصل الأجهزة الأمنية إلى كشف الخلية الإرهابية المسؤولة عن اغتيال النائب العام.[2]

بموازاة الإعلان عن كشف الخلية المتهم أفرادها باغتيال النائب العام نشرت وسائل الإعلام المختلفة تقريرا مصورا مطولا حول عملية الاغتيال وجهود الكشف عن الجناة وفي هذا التقرير ظهر ثلاثة أشخاص أدلوا باعترافات تفصيلية حول تاريخ علاقة كل منهم بجماعة الإخوان وحول دوره في تنفيذ عملية الاغتيال. بلغ عدد المتهمين الذين شملهم قرار الإحالة إلى المحاكمة الصادر عن النائب العام في 8 مايو 2016، 67 متهما، وبدأت جلسات المحاكمة في 17 يونيو 2016 أمام الدائرة 28 برئاسة المستشار حسن فريد.[3] وفي يوم صدور حكم محكمة الموضوع في القضية، 22 يوليو 2017، أعادت وسائل الإعلام نشر اعترافات المتهمين في القضية مع إضافة مزيد من المعلومات التي وردت في تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا.[4]

تسييس قضايا جنائية ومشكلات إدارية

بخلاف القضايا السياسية بوضوح، استغلت السلطة في مصر الاحتقان السياسي القائم منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لتسييس قضايا ذات طبيعة جنائية أو مشكلات أثارت الرأي العام تجاه تقصير إدارة الشؤون اليومية الاعتيادية، من أمثلة ذلك:

قتل الطالب محمود البنا

أثارت واقعة قتل الطالب محمد البنا على أيدي طالب آخر وصديقين له غضبا جماهيريا بمحافظة المنوفية نظرا لتمتع عائلة المتهم الرئيسي بالواقعة بالثروة والنفوذ وتواتر أنباء عن محاولة هذه العائلة استخدام ثروتها ونفوذها لحرف مسار التحقيقات في الواقعة بما يؤمن للجناة الإفلات من العقاب. دفع ذلك الوضع أعداد من الأهالي إلى التظاهر مطالبين بإنفاذ العدالة في هذه القضية ذات الطابع الجنائي الواضح، وواجهت قوات الأمن التظاهرات بعنف وألقت القبض على عدد من المشاركين فيها. وبالمخالفة ﻷي منطق سليم قدمت وزارة الداخلية لوسائل الإعلام معلومات مدعومة بمقاطع فيديو تدعي من خلالها اضطلاع خلية تابعة لجماعة الإخوان في استغلال الواقعة وما أحاطها من ظروف لتأجيج الغضب وتنظيم التظاهرات.

ظهر بمقاطع الفيديو كما عرضتها جريدة الوطن من خلال موقعها الإلكتروني،[5] أربعة شباب وشابة واحدة، ومن خلالها أدلوا باعترافات فحواها أنهم منتمون إلى جماعة الإخوان وأنهم قد تلقوا تعليمات بإثارة جماهير المحافظة ودعوتهم إلى التظاهر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أما أحراز القضية التي ذكرها تقرير الوطن فكانت “ملصقات إثارية – إسبراي – أسلحة بيضاء – 2 طبنجة صوت – رشاش صوت.”

خلية البلاعات

تتجدد في كل عام مع قدوم الصيف وهطول الأمطار على مناطق مختلفة من مصر مشكلة التعامل مع كميات مياه الأمطار الزائدة، ويؤدي فشل الجهات التنفيذية في معالجة هذه المشكلة إلى خسائر مادية متباينة الحجم، ولكنه يؤدي أيضا إلى سقوط ضحايا من المواطنين. وفي عام 2015 واجهت السلطات تصاعد الغضب الجماهيري لسقوط عديد من الضحايا في محافظة الإسكندرية بصفة خاصة بإعلان ضبطها لسبعة عشر إخوانيا قالت أنهم ينتمون إلى ما يسمى باللجان النوعية، وحسب موقع جريدة المصري اليوم،[6] التي كانت من بين عدد كبير من وسائل الإعلام التي نقلت الخبر، فقد “توافرت معلومات لقطاع الأمن الوطني حول إصدار قيادات التنظيم الإرهابي تكليفات لعناصرها من خلال لجان العمليات النوعية بمحافظة الأسكندرية بارتكاب بعض العمليات العدائية، وأبرزها سد المصارف ومواسير الصرف الصحي بإلقاء خلطة أسمنتية بداخلها لعدم تصريف المياه.” ونسب تقرير المصري اليوم إلى الخلية المذكورة عددا آخر من الأعمال التخريبية للبنية التحتية.

ونشر موقع المصري اليوم فيديو منشور في الأصل على حساب وزارة الداخلية المصرية الرسمية على موقع يوتيوب.[7] وفي التفاصيل على موقع يوتيوب نشر حساب الوزراة الأسماء الرباعية لسبعة عشر شخصا نسب إليهم المشاركة في الخلية المذكورة وفي أعمال تخريبية شملت إلى جانب سد المصارف ومواسير الصرف الصحي، تفجير عبوات ناسفة بمنطقة مناورة القطارات بمحطة مصر وخلف المستشفى اﻹيطالي، وإتلاف محولات كهرباء وصناديق قمامة، وفسر بيان الوزراة تلك الأعمال بكونها تهدف إلى “إحداث أزمات بالمحافظة وإيجاد حالة من السخط الجماهيري ضد النظام القائم.” وفي الفيديو نفسه المعد كتقرير مصور حول عملية ضبط الخلية ظهر ثلاثة أشخاص ذكروا أسماءهم بالكامل وأدلوا باعترافات تتوافق مع الاتهامات المنسوبة إليهم في البيان والتقرير. وجدير بالذكر أنه لم تنشر أخبار مستقلة في وقت سابق حول التفجيرات والأعمال التخريبية المذكورة في التقرير.

القضايا الجنائية

برغم اجتذاب القضايا السياسية الاهتمام الأكبر مما يحيط النشر حولها عادة بضجة كبيرة وتشغل أخبارها الصفحات الأولى من الجرائد وتبرزها المواقع اﻹخبارية على شبكة الإنترنت والبرامج الحوارية على القنوات الفضائية، فمن حيث الحجم والمعدل تأتي القضايا الجنائية العادية في الصدارة حيث يعد نشر أخبارها وجبة يومية للصحف وغيرها من وسائل الإعلام. وفي هذا الإطار يبرز دور وزارة الداخلية بنفسها من خلال وجودها على شبكة الإنترنت ومن خلال القنوات الفضائية. فالوزارة تدير بنفسها حسابات على كل من موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك ويوتيوب، تنشر من خلالهما بصفة يومية تقارير أمنية لحصيلة جهود أجهزتها خلال اليوم، وحصيلة أخرى أسبوعية، وترفق بذلك تقارير مصورة، تنشر أيضا على قناتها على موقع يوتيوب، ويعاد بث هذه التقارير من خلال نشرات اﻷخبار على القنوات الفضائية المملوكة للدولة. كما تشارك الوزارة في إنتاج برنامج تليفزيوني واحد على الأقل يختص بعرض قضايا جنائية فور كشف أجهزة البحث الجنائي عن المتهمين بها وقبل إحالتها إلى النيابة العامة.

حساب وزارة الداخلية على موقع فيسبوك

أنشئت “الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية”[8] في عام 2012، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 والتي لم يكن اختيار يوم الاحتفال بالعيد القومي للشرطة لتظاهراتها الأولى مصادفة وإنما أتى تحديدا تعبيرا عن السخط الجماهيري لتصاعد القمع الشرطي في مصر في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الذي أطاحت به الثورة لاحقا. ويبلغ عدد متابعي الصفحة أكثر من سبعة ملايين متابع، وهي نشطة للغاية في نشر أخبار الوزراة والحملات الأمنية النوعية والاعتيادية وأخبار الجرائم التي تكشف أجهزة البحث الجنائي عن المتهمين فيها.

فيما يخص نشر الصفحة لمعلومات حول المضبوطين للاشتباه في ارتكابهم لجرائم، فثمة نمط سائد يتضمن دائما نشر صور المضبوطين مع الأحراز المضبوطة بحوزتهم أو في مكان ضبطهم، ويهتم القائمون على الصفحة بتمويه وجوه المضبوطين في الصور، وإن كان يمكن الجدل بأن الربط بين المعلومات حول المضبوطين المذكورة في متن الخبر وتشمل عادة صفة المضبوط ومنطقة إقامتهو معلومات أخرى وبين الظاهر في الصور من شأنه أن يكشف هوياتهم.

من نماذج ما تنشره الصفحة من أخبار حول قضايا بعينها: كشف غموض وتحديد وضبط مرتكبى واقعة سرقة 250 ألف جنيه و 7 آلاف دولار من داخل إحدى الشقق السكنية بدائرة قسم شرطة المعادى؛[9] ضبط مزارع لقيامه بالاشتراك مع ثلاثة أشخاص بالحفر والتنقيب عن الآثار وبحوزته 46 قطعة أثرية بقصد الاتجار؛[10] ضبط مرتكبى واقعة إختطاف طالب بالغربية وإعادة المختطف لأهليته سالماً.[11]

في هذه المنشورات وفي غيرها تورد صفحة الوزارة كما أسلفنا صورا للمتهمين تتفاوت جودة تمويهها، كما تورد معلومات تفصيلية عن الواقعة وكيفية ضبط المتهمين ومعلومات شخصية عنهم مع تجنب ذكر أسمائهم، وإن كان ذلك لا يكفي في معظم الأحيان لإخفاء هويتهم بشكل كامل.

القناة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع يوتيوب وبرنامج المواطن مصري

تعرض وزارة الداخلية من خلال قناة رسمية لها على موقع يوتيوب تقارير أسبوعية عن جهود قطاعاتها المختلفة في مواجهة الجريمة، وتقارير نوعية خاصة بحملات وجرائم بعينها مثل الاتجار بالمخدرات وتهريبها أو تصنيع الأسلحة غير المرخصة والتهرب الجمركي، بخلاف تقارير عن قضايا منفردة من حين إلى آخر. جميع هذه التقارير ينشر على قناة الوزارة على يوتيوب بالتوازي مع عرضها على التليفزيون الرسمي من خلال نشرات الأخبار. إضافة إلى ذلك يشارك قطاع الإعلام بالوزارة في إنتاج برنامج أسبوعي تذيعه القناة الثانية بالتليفزيون الرسمي تحت عنوان “المواطن مصري” ويختص بتقديم قضايا كشفتها أجهزة البحث الجنائي.

يظهر المتهمون بارتكاب الجرائم التي توردها التقارير السابق ذكرها في مقاطع الفيديو هذه بنفس الطريقة التي يظهرون بها في الصور الملحقة بمنشورات الفيسبوك على صفحة الوزارة، أي برفقة المضبوطات إن وجدت ومع تمويه وجوههم. في أحيان كثيرة تقدم التقارير لقاءات مع متهمين يتم فيها إما تمويه وجوههم أو تصويرهم من الخلف حتى لا تظهر وجوههم على الكاميرا. كمثال في تقرير بعنوان “ضبط أحد الأشخاص لقيامه بالاشتراك مع آخر بارتكاب عدد 23 واقعة نصب واحتيال على المواطنين”،[12] يظهر المتهم مدليا باعترافاته في لقطات مقربة من وجهه مع تمويهه.

ظهور المتهمين وإدلائهم باعترافات هو فقرة أساسية من برنامج “المواطن مصري”، إلى جانب لقاءاته بضباط الشرطة المشاركين في ضبط الجرائم. في الحلقات الأحدث من البرنامج يظهر المتهمون من خلال تصويرهم من الخلف بحيث لا تظهر وجوههم، كما يمكن أن نرى ذلك في حلقة البرنامج المذاعة بتاريخ 24 أكتوبر الحالي.[13] ولكن بالعودة إلى حلقات سابقة من البرنامج يمكن ملاحظة أن سياسة محاولة إخفاء هوية المتهمين جديدة، ففي الحلقات السابقة ظهر المتهمون يواجهون الكاميرا ودون تمويه لوجوههم. ونرى ذلك كمثال في حلقة البرنامج المذاعة بتاريخ 23 أغسطس 2016.[14]

خاتمة

على مستوى أولي بسيط ليس ثمة حاجة إلى إبراز حقيقة أن ظهور مشتبه بهم بارتكاب جريمة ما من خلال وسيلة نشر علانية بما يكشف هوياتهم يعد انتهاك ومخالفة قانونية، فوزارة الداخلية نفسها كممثل للسلطات المصرية بهذا الشأن تظهر تلك الحقيقة من خلال التناقض في موادها الإعلامية بين القضايا السياسية والجنائية على الأقل في الآونة الأخيرة. ففي موادها الإعلامية حول القضايا الجنائية يحرص القائمون على صفحات الوزارة على الإنترنت وعلى البرامج التليفزيونية التي تشارك في إنتاجها على استخدام تقنيات مختلفة ﻹخفاء هوية المتهمين. وهذا لا يدع مجالا للشك في أن الوزارة تدرك حق هؤلاء في إخفاء هوياتهم. في المقابل لا زالت مواد إعلامية تتناول اعترافات متهمين في قضايا سياسية تُظهر هؤلاء المتهمين بالصوت والصورة مع إيراد أسمائهم الكاملة وتفاصيل عن حياتهم، وهو ما يعني بلا لبس أن الوزارة أو أجهزة تابعة لها تنتهك عمدا وعن علم ما تعترف هي نفسها بكونه حق للمشتبه بهم.

مبدأ “براءة المتهم حتى تثبت إدانته” هو ركن أساسي لمنظومة العدالة في عالمنا المعاصر، ولذلك لا يخلو أي نص حقوقي بدءا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وغيرهما من المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية ذات الصلة من تكرار هذا المبدأ والنص على ضرورة التمسك به. كما أن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت على إثبات هذا المبدأ والنص على ضرورة الالتزام به، وجرت القوانين المصرية على إحاطته بسبل الحماية المختلفة. ويتناقض تقديم المشتبه بهم والمتهمين في قضايا إلى الجمهور العام بصورة ترسخ في وعي المتابع ثبوت إدانتهم برغم أن هذه الإدانة لم تتم فعليا من خلال محاكمة عادلة بعد، مع هذا المبدأ الضروري، ومن ثم فإن المواد الإعلامية التي تقدم معلومات حول الجريمة وجهود مكافحتها ينبغي أن تلتزم أولا بعدم الكشف عن هويات المشتبه بهم في مراحل التحقيقات كون سرية هذه التحقيقات التي يقررها القانون المصري تنطبق على هذه الهويات، وبرغم أن النص القانوني الذي يعاقب على إفشاء أسرار التحقيقات ينطبق فقط على مباشريها ولا ينطبق على وسائل الإعلام، فالمبدأ نفسه ومبرراته ينبغي أخذهما في الاعتبار من خلال مواثيق العمل الإعلامي المهني. ثانيا، ينبغي أن تلتزم وسائل الإعلام بالحيادية وبدور الناقل للمعلومات المتاحة دون أن تنصب نفسها محققا وقاضيا يوجه الاتهامات ويصدر الإدانات.


النسخة ال pdf من الورقة

النسخة ال word من الورقة


[1] قناة برنامج “الحكاية”، اعترافات لأشخاص أجانب وعرب يقومون بتصوير ارتكازات أمنية ونقل المعلومات عن مصر والتحريض ضدها، موقع يوتيوب، 25 سبتمبر 2019، https://www.youtube.com/watch?v=sWqvZieZ4xs ، تاريخ التصفح 25-10-2019.

[2] بوابة المصري اليوم، «الأمن» يُعلن «ضبط وقتل» منفذي اغتيال النائب العام 3 مرات (تقرير)، 7 مارس 2019، https://www.almasryalyoum.com/news/details/905606 ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[3] هدى أبو بكر، أبرز 11 محطة فى قضية اغتيال الشهيد هشام بركات، بوابة اليوم السابع، 22 فبراير 2019، https://www.youm7.com/story/2019/2/22/%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-11-%D9%85%D8%AD%D8%B7%D8%A9-%D9%81%D9%89-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA/4149381 ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[4] خديجة عفيفي- محمد نصر- إسلام دياب، ننشر اعترافات المتهمين في قضية “اغتيال النائب العام”، بوابة أخبار اليوم، 22 يوليو 2017، https://m.akhbarelyom.com/news/newdetails/2514207/1/%D9%86%D9%86%D8%B4%D8%B1-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%87%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9–%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85- ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[5] نرمين عفيفي، فيديو.. اعترافات إرهابيي المنوفية: جاتلنا تعليمات نستغل قضية محمود البنا، بوابة جريدة الوطن، 22 أكتوبر 2019، https://www.elwatannews.com/news/details/4389853  ، تاريخ التصفح 25-10-2019.

[6] باهي حسن، اعترافات خلية “سد البلاعات والمصارف” في الإسكندرية (فيديو)، موقع جريدة المصري اليوم، 7 نوفمبر 2015، https://www.almasryalyoum.com/news/details/840028 ، تاريخ التصفح 26-10-2019.

[7] قناة وزارة الداخلية المصرية على موقع يوتيوب، ضبط خلية إرهابية تابعة لتنظيم الإخوان الإرهابي ارتكبت أعمالًا تخريبية بمدينة الإسكندرية، 7 نوفمبر 2015، https://youtu.be/57ozD0R6uZ4 ، تاريخ التصفح 26-10-2019.

[8] وزارة الداخلية المصرية، الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، https://www.facebook.com/pg/MoiEgy/about/ ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[9] الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، كشف غموض وتحديد وضبط مرتكبى واقعة سرقة 250 ألف جنيه و 7 آلاف دولار من داخل إحدى الشقق السكنية بدائرة قسم شرطة المعادى، موقع فيسبوك، 27 أكتوبر 2019، https://www.facebook.com/MoiEgy/photos/a.181676241876047/2574578632585784/?type=3&theater ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[10] الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، ضبط مزارع لقيامه بالإشتراك مع ثلاثة أشخاص بالحفر والتنقيب عن الآثار وبحوزته 46 قطعة آثرية بقصد الإتجار، موقع فيسبوك، 27 أكتوبر 2019، https://www.facebook.com/MoiEgy/posts/2574613832582264?__xts__[0]=68.ARDyvL7EAd11ri75xyBwNgiiPX78Yy7Td8pcBsQyfmg_fKd1IbdxYcUj2om4N12RA6xOp0xO4StDeaeae6yiFXdbzSfvI9RT-ZYbIgiqQUrhVgWCvwh7bFNpp1cmwuhNFHITJyVleuR7WB9dltpU3zx7b7sDGJBQm95-yjumIagfm9sSBZcy3BqX1TNrLuyhE2DT56fFP0cY14Zp24yNlLqaS_brkF66ncthfRfxHLNXdt8UWM85OYjeMGgz7YFqgUyJ4TZqXp4sDgaHBmeI1_m3Akt5lydQ4bUBU7rUlcpRtt2WiBacBKpXrvYHMBlFPwZDXEoytEK-cbGdOSkbYUbZ4w&__tn__=-R ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[11] الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، ضبط مرتكبى واقعة إختطاف طالب بالغربية وإعادة المختطف لأهليته سالماً، موقع فيسبوك، 26 أكتوبر 2019، https://www.facebook.com/MoiEgy/photos/a.181676241876047/2572444702799177/?type=3&__xts__%5B0%5D=68.ARBfXv54ByurVGLNvOPBduj7BkBrIeaUwfSx3pUNL5SN_p0KYZzoAce2gQB_XtSQlPNjhBmeeihaeUfABai0vcF86303GDM4rdIUJMP4h–19eYWHAZgvIqgvOaJUcMWfIaaTP-0jHN67vUok9wGh1H0-ATkrUSiOyv5YFJdij12KRQk1YGChNycz_ukqIqCewM3lGtmhcKs-va4n_vVQbA1UcxA8Xoata1nGD-cnNaijI7xPV3WCAisfrDWoQ-3PNpJ6MOscoh1_8dI8oF7HODFKGMULEWrMyDhSQjrQ2rQLOJwTcvyK4xSPHi5pdKKTJyFUqfAjSFwLEpAdOT7JsnEzQ&__tn__=-R ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[12] قناة وزارة الداخلية على يوتيوب، ضبط أحد الأشخاص لقيامه بالإشتراك مع آخر بإرتكاب عدد 23 واقعة نصب وإحتيال على المواطنين، 16 أكتوبر 2019، https://www.youtube.com/watch?v=uI_RJHS5cNU ، تاريخ التصفح 27-10-2019.

[13] قناة وزارة الداخلية على يوتيوب، برنامج المواطن مصرى حلقة الخميس 24-10-2019، 25 أكتوبر 2019، https://www.youtube.com/watch?v=qlfhtCz4YA4 ، تاريخ التصفح 26-10-2019.

[14] قناة وزارة الداخلية على يوتيوب، برنامج المواطن مصري حلقة الثلاثاء 23-8-2016، 24 أغسطس 2016، https://www.youtube.com/watch?v=IgaSsXv-N1g ، تاريخ التصفح 26-10-2019.